ومات الخليفة سنة 295ه أي سنة 906م، وكان عامله على مصر عيسى النوشري، وبويع بالخلافة بعده للمقتدر وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، وحكم سنة واحدة وخلع، وبويع لعبد الله بن المعتز، وجرت في أيامه بين المريدين له والمريدين للمقتدر حروب، تمت فيها الهزيمة عليه وعلى أصحابه فهرب وقبض عليه وحبس، قيل خنق بالحبس، وقيل مات حتف أنفه، وعاد المقتدر ثانيا إلى الخلافة، وكان عامله على مصر عيسى النوشري أيضا، الذي في مدته قدم مصر زيادة الله الأغلبي صاحب القيروان، وسبب ذلك أن زيادة الله المذكور انهمك على اللذات وشرب الخمور وقتل من الأغالبة جما غفيرا، فقوي أمر أبي عبد الله الشيعي القائم بدعوة الدولة الفاطمية بالمغرب، فأرسل إليه زيادة الله جيشا تحت قيادة إبراهيم ابن عمه فهزمهم الشيعي، فضعف زيادة الله وجمع أمواله ووفد على مصر عند عيسى المذكور، فكتب عامل مصر إلى الخليفة المقتدر يعلم الخليفة بذلك، ثم سار زيادة الله إلى الرقة فأمره المقتدر بالعود إلى المغرب لقتال الشيعي المذكور، وكتب إلى النوشري عامله بإمداد زيادة الله، فقدم إلى مصر فمطله النوشري هذا، وزيادة الله ملازم للهو وسماع الغناء وشرب الخمر، وطال مقامه فتفرق أصحابه ومرض وآيس من النوشري، فسار ليقيم بالقدس فمات ودفن بالرملة، ولم يبق من بني الأغلب أحد. وكانت مدة ملكهم 112 سنة، فكان زيادة الله هو آخر ملوك بني الأغلب وابتداء ملك العلويين، وفي أيامه بعث المهدي جيشا مع ابنه أبي القاسم محمد إلى ديار مصر فاستولى على الإسكندرية والفيوم، فبعث إليهم المقتدر جيشا فأجلاهم فعادوا إلى المغرب.
وفي سنة 302ه/913م أرسل المهدي ثانيا جيشا مقدمه حباشة بطريق البحر فاستولى على الإسكندرية، فأرسل المقتدر جيشا مقدمه مؤنس الخادم، فانهزمت المغاربة وقتل خلق كثير منهم، وعادوا إلى بلادهم. وفي سنة 306ه/915م كان العامل تكين الذي في أيامه جهز المهدي جيشا مع ابنه القائم إلى مصر، فوصل الإسكندرية واستولى عليها، ثم وصل الجيزة وملك جزءا من الصعيد، وبعث المقتدر مؤنسا الخادم، وجرت بينه وبين القائم وقعات، ووصل إلى الإسكندرية من جهة المغرب مراكب حربية للقائم، فأرسل المقتدر مراكب من طرسوس لقتال مراكب القائم، فاقتتلت العساكر في البر، فانهزمت عساكر المغرب، وعادوا إلى أفريقا. وفي سنة 312ه/923م قبض المقتدر على وزيره ابن الفرات وقتله هو وابنه المحسن. وفي سنة 319ه/931م أرسل المقتدر عسكرا لقتال مرداويج، فالتقوا بنواحي همدان، فانهزم عسكر الخليفة، فأرسل مرداويج إلى أصفهان فملكها، وفي سنة 320ه/932م قتل المقتدر لوحشة جرت بينه وبين مؤنس الخادم، فتوجه مؤنس إلى الموصل، فكتب أهلها إلى بني حمدان بصد مؤنس عن الموصل، وجرى بينهم قتال شديد، واستولى مؤنس على الموصل، وأتى بجيش وحارب المقتدر، فانهزم الخليفة وقتل. (7-2) خلافة القاهر
وهو محمد بن المعتضد، فحصلت وحشة أيضا بينه وبين مؤنس فعمل الحيلة على قبض مؤنس وقتله. وفي أيامه استولى عماد الدولة بن بويه علي شيراز، وذلك سنة 323ه/934م، وأصل بويه المذكور رجل متوسط الحال بالديكم، وكان له ثلاثة أولاد؛ عماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة، وكانوا في خدمة «ما كان الديلمي»، فلما قهره مرداويج السالف الذكر دخلوا في خدمته وتركوا «ما كان»، فأحسن إليهم مرداويج، وقلد عماد الدولة بن بويه كرج، فقوي وكثر جموعه، فأرسل مرداويج جماعة للقبض عليه فقابلهم بالترحاب واستمال عقولهم حتى وجبت عليهم طاعته، فلما بلغ ذلك «مرداويج» اغتاظ، ثم قصد ابن بويه أصفهان، فأرسل مرداويج إلى ابن بويه يلاطفه وابن بويه يعتذر، ثم استولى أيضا على أرجان، وأرسل ابن بويه المذكور أخاه ركن الدولة إلى «كازرون» وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج أموالها، وامتد ملك بني بويه من بحيرة الخزر إلى العراق العجمي. رجعنا إلى ما نحن بصدده. وفي سنة 322ه الموافقة سنة 934م خلع القاهر وبويع الراضي بالله، فولى مصر لمحمد بن طغج بن جف السالف الذكر، ولما تولى على مصر كان العامل عليها أحمد بن كيعلغ فأجبره على الرحيل إلى بلاد المغرب؛ إذ قد ظهرت دولة العلويين فالتجأ ابن كيعلغ المذكور إلى القائم بأمر الله وأقام هناك، وذلك سنة 323ه الموافقة سنة 934م، ولما توطدت صولته في مصر خرج عن طاعة الراضي بالله، ولقب نفسه بالإخشيد «آق شيد أي شمس بيضاء»، ودخلت مصر تحت حكم الدولة الإخشيدية. (8) الدولة الإخشيدية (8-1) محمد الإخشيد