فوكاس
ولما حكم فوكاس أمر عماله الموجودين بمصر برفت جنس المصريين من الوظائف الميرية، فحدث من ذلك اضطراب وفتنة في الإسكندرية، وكان أكثر أهل هذه الفتنة طائفة اليهود، فحكم عليهم هذا الملك بأن يتنصروا فأطاعوه.
وأما خسرو الثاني ملك الفرس الذي هو أبرويز فعند سماعه بقتل موريس الذي أعاده إلى ملك أبيه أظهر الحزن والأسف، وانتهز الفرصة لفتح باب الحرب مع الروم متخذا ذلك حجة وسببا للانتقام من فوكاس، فأخذ جملة حصون وقلاع، واتصلت إغاراته إلى بلاد سوريا، وكان فوكاس قد جرد له جيشا، فانهزم هو وجيشه وتفرق شمله، وكانت أمة الروم قد صممت على خلعه من أعماله القبيحة، فكتبت إلى هيراقليوس أو هرقل والي أفريقا أن يحضر ليخلص القسطنطينية من يد فوكاس، فسار هيراقليوس بجيش مهول إلى القسطنطينية، فقبض الشعب على فوكاس، فأمر بضرب عنقه وعنق إخوته، وبايعوا هيراقليوس سنة 610 وعمره 35 سنة.
هرقل
قد ذكرنا أن «أبرويز خسرو» ملك الفرس تغلب على أكثر ولايات الروم الشرقية في زمن فوكاس، وقد استمر أيضا في افتتاح البلاد في زمن هرقل حتى فتح أنطاكية وبيت المقدس، ثم اتصلت إغاراته إلى الديار المصرية وبلاد المغرب، وصالح المصريين واتفق معهم على أن يدفعوا له أموالا معلومة كما كانوا يدفعون إلى قياصرة الروم، ثم بعد ذلك قصد بلاد الأناضول فاستولى على بروسة الواقعة على بوغاز البوسفور، واستعان هناك بقبائل التتار الهبارة، وتعاهد معهم على أن يهجموا على بلاد الروملي، فأغاروا على تلك الجهات ونهبوا المدن والقرى، واستمروا على ذلك حتى دنوا من أسوار مدينة القسطنطينية، فلما اشتد الحال على هيراقليوس وآيس من النصرة؛ لقلة عدد جيوشه ولعدم وجود النقود الكافية لتعيين الجيوش، صمم على أن يسافر إلى تونس وينقل تخت المملكة هناك؛ لأنها كانت تابعة لدولته، فصده عن ذلك بطريق القسطنطينية، وفتح خزائن الكنيسة، وأمده بما لزم من الأموال لتعيين الجنود، فصالح التتار ورفع عنه أشغالهم نظير مبلغ معلوم من المال، ثم إنه عين جيشا عرمرما وزحف بنفسه لقتال الفرس، وعند وصوله إلى مدينة أبسوس - حيث انتصر هناك الإسكندر على الفرس - وافته جنود الفرس فانتصر عليهم بعد قتال شديد، ثم رجع إلى القسطنطينية ظافرا منصورا، ولم تزل عساكر الفرس بعد هذه الهزيمة تشن الغارة وتلقي الفساد في أطراف تلك البلاد، فحاربهم هيراقليوس مرة ثانية لصدهم وردعهم، وذلك لكونه عبر البحر الأسود، وقطع جبال أرمينيا، وكان قد اتحد مع التركمان على قتال الفرس فأمدوه بجانب من الجيش، ثم قصد بلاد العجم، وعند وصوله إلى نينوى حصل بينه وبينهم قتال مهول فانتصر أيضا عليهم، واتفق بعد ذلك بأيام قليلة أن شيرويه قتل أباه المدعو أبرويز خسرو وجلس مكانه، وعقد صلحا مع هرقل بعد أن رد إليه جميع ولايات الروم الشرقية التي كان أخذها والده، ورجع إلى القسطنطينية فائزا بالنصر، ثم ترك إدارة الحكم وانهمك في مجادلات دينية من جهة لاهوت المسيح، وقد أرسل إليه النبي
صلى الله عليه وسلم
كتابا فقام يسلم لولا امتناع البطارقة، ولم يقع بينه وبين الرسول حروب، لكن حاربه أبو بكر الصديق وأخذ منه دمشق واستولى على جانب عظيم من سوريا، وكانت مدة حكمه 31 سنة، وكان عامله على مصر المقوقس الذي حاربه عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطاب وهزمه شر هزيمة وأخذ مصر منه، واستمرت القياصرة واحدا بعد واحد إلى أن جاءت ولاية تيوفيل الذي حاربه المأمون كما سيأتي، ثم ميخائيل الثالث وهو آخر ملك من ذرية هرقل، وحكم سنة 842م.
واستمر حكمه إلى أن قتله رجل يدعى باسيل واغتصب الحكم منه سنة 867م، وفي مدة حكمه لم تنقطع الحروب بينه وبين المسلمين في خلافة المتوكل على الله.
ذكر الإمبراطور باسيل