وأما الإمبراطور قسطنطين الذي حكم من 306-337م ففي عصره انتشرت ديانة المسيح عليه السلام، وتوجه أحد سكان الإسكندرية المدعو فريمنتوس إلى بلاد الحبشة وتكلم في شأن الديانة المسيحية التي لم تتبع إلا بعد ذلك بقرنين، وفي عصر قسطنطين انتقل تخت المملكة من روما إلى القسطنطينية؛ حيث كان الذي أسسها وجمع البطارقة ووضعوا له الشرائع النصرانية، وسارت أمة هيلان - أي اليونان - إلى القدس، وأخرجت خشبة الصليب، وأقامت لذلك عيدا، ومن ذلك الوقت أطلق على أهل مصر اسم الأقباط نسبة إلى مدينة قبط التي بالصعيد.
وقبل موته قسم المملكة بين أولاده، فمن هذا التقسيم حصل الاختلاف بينهم وقتل بعضهم بعضا، وما زال هذا الاختلاف إلى عصر الإمبراطور تيودوز الذي حكم سنة 379م، وفي مدته صدرت الأوامر القيصرية لجميع الولايات الرومانية باتباع الديانة المسيحية، ونشرت قرارات بغلق معابد وهياكل الديانة الوثنية وهدمها، ومن ثم هدم هيكل سيرابيوم سنة 879م واحترقت الكتبخانة، وأصلح الأحوال بحسن سياسته وتدبيره، وكان له ولدان وهما أرقاديوس وهونوروس فقسم المملكة بينهما، ولكن لم يحصل ذلك إلا بعد موت شريكه فالنتينيان الثاني سنة 389، وجعل الأول على المشرق وتخته مدينة القسطنطينية، وجعل الثاني على المغرب وقاعدته مدينة روما، وهذا التقسيم كان سببا في خرابها الأخير وزوالها بظهور دولة آل عثمان.
الفصل الثامن
| في الكلام على إمبراطورات القسطنطينية ودولة اليونان السفلى
حكمت هذه الدولة بعد انقسام المملكة الرومانية سنة 395م، وانقرضت بظهور السلطان محمد خان الثاني من آل عثمان 1453م. ولنذكر أشهر إمبراطوراتها فنقول:
ذكر الإمبراطور أرقاديوس
وهو أول ملوك هذه الدولة وكانت مملكة الروم في عهده ضعيفة؛ لأنه كان قاصرا وكان الحل والعقد في يد وزيره رومين، وفي مدته صدرت أوامر لجميع الولايات الرومانية باتباع الديانة العيسوية، وأمر بغلق الهياكل والمعابد ولا سيما هياكل مصر، ومات بعد أن حكم 13 سنة وذلك سنة 408م.
جوستسيانوس الثاني
وكان أول أمره حميد السيرة موصوفا بالعدل، ثم ظلم وجار على الرعية وانكب على الملاهي، وترك الحكم لامرأته «صوفية» التي أحبت شابا يسمى «طيباريوس» متصفا بالذكاء والآراء السديدة، فكانت تستشيره في جميع أمورها، فحملت زوجها بأن يوصي له بالقيصرية، قاصدة بذلك أن يتزوج بها، وأرسل إليه ملك التتار الهبارة سفير العقد معاهدة، فرفض «جوستسيانوس» هذا الطلب وأظهر التعاظم والكبرياء، ثم اتفق بعد ذلك مع ملك التركمان وتحالف معه على حرب «كسرى أنوشروان» ملك الفرس؛ بسبب منازعتهما على بلاد أرمينيا، فقامت الحروب بين «جوستسيانوس» وأنوشروان، واستمر القتال بين الدولتين إلى موت الملكين، فانقطعت الحروب بموتهما بعد أن حكم 13 سنة، وقام بالأمر بعده «طيباريوس الثاني».
طيباريوس الثاني
عند جلوسه على كرسي المملكة تحارب مع «هرمز بن أنوشروان»، وكان أرسل لقتاله قائدا من قواده يدعى «موريس» مع ثمانين ألف فارس، فحارب العجم وانتصر عليهم أكثر من ثلاث مرات، فكافأ الملك هذا القائد وزوجه ابنته، وتعهد بأن يكون هو الملك بعده، وعند موت هذا الملك المذكور تولى «موريس» على الملك.
موريس
وفي أيامه حدثت فتنة في بلاد العجم جبرت «هرمز بن أنوشروان» أن يفر من بلاده إلى «موريس» ليغيثه، فقابله المذكور بالترحاب، وأمده بجيوشه، وأعاده ملكا على بلاد العجم تحت اسم خسرو برويز، ثم حول جيوشه إلى محاربة التتار الهبارة الذين كانوا قد أتوا من آسيا إلى بلاد المجر وسكنوا فيها، فانتصر عليهم عدة نصرات عظيمة، وكان ملك التتار أسر في هذه الواقعات عشرة آلاف فارس، فطلب منه ملك التتار فداء كل واحد منهم دينارا فلم يقبل، ثم طلب منه على كل رأس نصف دينار فأبى أن يعطيه شيئا، فاغتاظ ملك التتار وذبح جميع أسراء الروم، فلما اشتهر هذا الأمر نفرت قلوب الرعية منه ورفعوا لواء العصيان عليه، وولوا بدله رجلا من رعاع الجند يدعى «فوكاس»، فبايعوه بالسلطنة سنة 602م، وكان «موريس» وقتئذ بالقسطنطينية، فلما بلغه الخبر فر هاربا مع عائلته، فأرسل «فوكاس» مجدا في طلبه، فقبضوا عليه، وأمر بضرب أعناق أولاده ثم قتله.