وذكر أنيبال وكورنيليوس سيبيون
واستمر القرطاجيون يدفعون الجزية للرومانيين إلى أن نشأ فيهم أنيبال أحد جنرالاتها وقتئذ عدوا للرومانيين، فحرض أهل بلاده على حربهم، فشرعوا في محاربة ساجونتا إحدى مدن إسبانيا، وكانت هذه المدينة حليفة روما، فحرقها أنيبال وصيرها رمادا، واجتاز جبال بيرينية ونهر الرون وجبال الألب وذلك سنة 218ق.م، فهزم ثلاثة جيوش رومانية، وأعظم هذه الوقائع وقعة «كانه» سنة 217ق.م، فقتل فيها القنصل إيمليوس 70000 من العساكر الرومانية، إلا أن هذه الواقعة أفقدت القرطاجيين عساكر كثيرة، فذهب بعد ذلك إلى جهة «كابو» التابعة لبلاد قبانية، فلينت لذات الجهة المذكورة طباع عساكره، فنسي الرومانيون الشقاق الداخلي، وجمعوا جيوشا جديدة، وصار بذلك إنقاذ روما، وفي أثناء ذلك الوقت فتح مارسيلوس مدينة سيراقوزة سنة 212ق.م، واشتهر سيبيون في إسبانيا، وطرد القرطاجيين من شبه جزيرة إسبانيا، ولما عاد إلى روما أراد التوجه والهجوم على أفريقا فقبل منه المجلس، وفي السنة الثانية أزعج قرطاجة بجيشه المهول ، فدعت من إيطاليا أنيبال لمعاونتها، إلا أنه كان لم يتيسر لأحد مقاومة هذا الشهم الروماني، فهزم أنيبال في «أودية زاما» سنة 202، ولما غلب أنيبال ومن معه نصح أهالي مدينته بقبولهم الصلح من عدوهم؛ حيث لم يتيسر لهم غلبة بعد ذلك، وأما أنيبال فإنه خرج من بلده وذهب يبحث في غير تلك البلاد على من يكون عدوا للرومانيين، أما قرطاجة فضرب عليها الجزية، وهذا هو الحرب الثاني القصصي.
الحروب الأخيرة بين الرومانيين وأهل مقدونيا والشام
ولما أمد فيليبش الثالث ملك مقدونيا أنيبال بالإمدادات الحربية جرد الرومانيون عليه التجريدات الحربية للانتقام منه، وانضموا إلى اليونان أعدائه، وهجموا على مقدونيا تحت قيادة القنصل «فلامينينوس»، فهزمه بالقرب من مدينة سيتوسيفالة «بتساليا»، فالتزم هذا الأمير بتحمل مشارطة صلح موجبة لذله وحقارته، وبإعطاء ديمتريوس أحد أولاده رهينة عند الرومانيين، وذلك سنة 196ق.م.
وفي سنة 191ق.م ابتدأت الحروب بين الرومانيين وأنطيوخوس الأكبر ملك الشام الذي كان قد التجأ إليه أنيبال، وأيضا كان قد قام لمساعدة الإيطوليين ببلاد اليونان، فهزمه الرومانيون في مضايق ترموبيل، وفر هاربا إلى آسيا الصغرى، فتبعه القنصل «لوسيوس سيبيون» أخو سيبيون الأفريقاني وانتصر عليه أيضا بالقرب من مدينة مانيزيا سنة 179ق.م، فالتزم الملك المذكور أن يترك للرومانيين جميع أقاليمه التي بآسيا إلى جبل الطور، فأخذ الرومانيون منها أموالا جسيمة، ولقب سيبيون المذكور بالآسياتيقي.
وفي سنة 170ق.م جد بيرسي بن فيليبش الثالث في التخلص من رق الرومانيين، فغلبه القنصل «بول إيميل» في واقعة بيدنا - مدينة بمقدونيا - وبعث به أسيرا إلى روما ومعه جماعة من أكابر اليونان، وكان من ضمن هؤلاء الأسارى المؤرخ الشهير «بوليب»، وبعد ذلك ببضع سنين قام ابن بيرسي المذكور وأشهر لواء العصيان، لكنه هزم أمام حصن ميتيليوس، وصارت مقدونيا من ذلك الوقت إقليما رومانيا.
وفي سنة 146ق.م دخل الرومانيون بلاد اليونان، وكانت قد ضعفت من الفتن والعرابيد المتوالية، فلذا لم يجدوا عندهم من يكافحهم غير الحزب الأخيواني، فحصلت وقعة بالقرب من مدينة كورنته فانهزم الحزب المذكور، ودخل القنصل موميوس المتوحش المدينة المذكورة ، ونقل إلى روما جميع ملحها وبضائعها ونفائسها وأسلمها إلى اللهيب، وصارت مملكة اليونان من ذلك الوقت إقليما رومانيا وسموه إقليم إخيا. (5-3) ذكر الحرب الثالثة
ولما أغار «ماسينسه» ملك نوميديا - بلاد الجزائر - على أراضي قرطاجة الذي كان يهددها بالهجوم دائما، ترتب على ذلك مشاجرات ألزمت مجلس السناتو بإرسال رسل لإزالة هذه المشاجرات؛ حيث كان هذا الملك حليف روما، وكان ضمن الرسل المذكورين «قاتون»، فلما رأى هذا الجنرال وسائل الاستعداد عند القرطاجيين رجع إلى روما منزعجا، وحرض أهل بلاده بالتخلص من كل خوف يخشونه في المستقبل، وختم كلامه بقوله: يلزم هدم قرطاجة، فتولى سيبيون إيميليان قيادة الجيش الروماني، وكانت الأوامر التي صدرت له عارية عن الشفقة بالكلية، فلما رأى أهل قرطاجة أنه لا ناصر ولا مانع لهم من أعدائهم دافعوا عن أنفسهم بكل ما في وسعهم من الحمية، إلا أنهم فترت قواهم من كثرة عدد عدوهم وأخذت المدينة قهرا، وسلمت ليد اللهيب، فبقيت النار سبعة عشر يوما، وهدمت جميع ديارها وذلك سنة 146ق.م، ولقب سيبيون كجده بالأفريقاني لكونه تمم الحرب الثالث القصصي. (5-4) مجاذفة الجراكيين من 133-121ق.م