وفي سنة 366ق.م كان أول قاض في البلد هو سيكتيوس من أسافل الناس، وأخيرا فإن صحة أقوال ذلك القانون تم قبولها بواسطة رعاع الناس بشرط أن يستحقوا ألقاب الشرف أو رؤساء الديانة، وقد انقطع من وقتئذ الشقاق الداخلي من تلقاء نفسه الذي جعل روما منذ مدة مديدة في اضطراب عظيم، وتقدمت في فتوحاتها من ذلك الوقت تقدما لا يدرك العقل سبيل كنهه. (4) إغارة الغول على روما سنة 390ق.م
ولما كانت الحرب عند الرومانيين من أعظم الوسائل لاتساع مملكتهم، تقدم عندهم هذا الفن واشتهروا به، وحيث كانت مصاريف الحرب في أول الأمر على الأهالي فكانت أيامه قصيرة، وكانوا إذا مضى عليهم في الحرب عشرون أو ثلاثون يوما قعدوا عنه وانصرفوا لأشغالهم، فأشار مجلس السناتو بترتيب ماهية للعساكر، فقبلت الأهالي منه ذلك وعدوه إحسانا، وفي ذلك الوقت ابتدأت شوكة الجمهورية في الظهور لدوام جيوشها تحت السلاح، ولولا الوسائل التي بها حجز الرؤساء العسكرية تحت السلاح لما نجحوا في واقعة مدينة «وييس» التي مكثوا في محاصرتها عشر سنين، وكان الفخر في هذه المدينة التي هي قرينة مدينة روما لكاميل - أحد الجنرالات الرومانية - وذلك قبل المسيح بنحو 405 سنة، فكوفئ هذا الرجل الشهير بالنفي؛ لأنه اتهم ظلما وعدوانا بإخفاء جزء من الأموال المغتنمة من المدينة المذكورة، فلما حكم عليه بالنفي ذهب إلى الأدرياتيين وأقام عندهم، وفي ذلك الوقت هجم جيش عظيم من الغول - وهم قدماء الفرنساويين - كان عبر جبال الألب تحت قيادة «برينوس» وأتلف كل ما مر به، وأفنى الجيش الروماني قريبا من نهر الأليا، ودخل روما وكان قد تركها أهلها، وحرقت المدينة، وذلك سنة 390ق.م، وكان مانيليوس في ذلك الوقت انضم إلى بعض الشبان الرومانيين وتحصن معهم في قلعة الكابيتول، فسد الغول طرقها ومسالكها وضيقوا عليهم، ودفعهم مانيليوس مرارا، فلما بلغ كاميل ما حل بأهل وطنه نسي ما كان وقع منهم في حقه من الإساءة، وخرج من عند الأدرياتيين لمساعدة وطنه، فقلده مجلس السناتو برتبة الدكتاتورية - ولي الأمر المنفرد بالحكم - فقيل إنه حاربهم وقطع دابرهم ولم يبق منهم من يبلغ خبرهم لأهل وطنه، فكان كاميل ومانيليوس هما اللذان أنقذا وطنهما من الغول إلا أن طمع مانيليوس كان سببا في إلقائه من أعلى قلعة الكابيتول. (5) الحروب القصصية (5-1) الحرب الأولى
قد ذكرنا فيما تقدم أن قرطاجة قد أسسها جملة من المهاجرين الصوريين سنة 869ق.م، وكان الرومانيون قد عقدوا جملة معاهدات تحالفية وتجارية مع أهل قرطاجة، ثم إن كلا من هاتين الأمتين كان متطلبا الاستيلاء على جزيرة سيسيليا، فصار ذلك منشأ لوقوع الشقاق بينهما، فلما استولى المامرتينيون على مدينة مسينا وهي إحدى مدن تلك الجزيرة، حاربهم هيرون ملك سيراقوزة «بالجزيرة عنها»، فأتى القرطاجيون وأعانوهم عليه، إلا أن المامرتينيين لخوفهم من عدوهم هيرون المذكور وغدر القرطاجيين لهم دخلوا في حماية روما، وفي سنة 264ق.م ذهب القنصل أوبيوس قلوديوس إلى سيسيليا وكسر القرطاجيين والملك هيرون، فتعصب الفريقان على روما، فاقتضى الحال محاربة الرومانيين مدينة قرطاجة التي كانت لها الشوكة القوية والمكانة العلية عند من جاورها من الأمم لا سيما الملاحة، ولم يكن للرومانيين وقتئذ قوة بحرية فصنعوا مراكب حربية، وتولى القنصل دويليوس قيادة الدونانمة الجديدة وفاز بنصرة عظيمة على القرطاجيين، وهذه أول واقعة بحرية حصلت من الرومانيين وانتصروا فيها، واستولوا على جزيرتي قورسة وسردينيا.
وبعد ذلك توجه أحد الجنرالات الرومانية المدعو ريجولوس مع جيش إلى قرطاجة، إلا أن كزنتيب اللقديمونياني الذي كان قد أتى لمساعدة المدينة المذكورة هجم على ريجولوس وكسره وأخذه أسيرا، ووضعه في الحديد، واستمرت الحرب إلا أنها كانت متراخية ودولا بينهم، وقيل إن القرطاجيين عذبوا ريجولوس عذابا شديدا حتى مات، ثم فاز الرومانيون بنصرة عظيمة قريبا من جزائر أغاتة تحت قيادة القنصل لوتاسيوس سنة 242ق.م، والتزم القرطاجيون بدفع جزية سنوية لروما، وهذا هو الحرب الأول القصصي الذي مكث مدة 22 سنة. (5-2) الحرب الثانية