تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما سيمون فلم يتمتع بثمرة أعماله العظيمة؛ إذ توفي من جرح أصابه في حصار جزيرة قبرص سنة 449ق.م، فبقي بريكليس رئيسا في أتينا بعد موت سيمون مدة عشرين سنة، واهتم كثيرا بتحصينها وترتيبها، وفي عصره بلغ أهل أتينا الدرجة القصوى في الصنائع والفنون ومعامل البناء، لا سيما بالنقش والتصوير، واشتهرت بالمعارف والعلوم. (2-3) حرب المورة

لما وقعت الحرب بين مملكة كورنته وجزيرة قرسيرا المسماة الآن قرقوس، حرض بريكليس الأتينيين على مساعدة أهل قرسيرا، فحسب ذلك الإسبارطيون نقضا للعهد الذي أقيم بين ممالك اليونان، فانشبكوا جميعا في حروب شديدة، فكان من الجهة الواحدة إسبارطة وكورنته وجميع ممالك المورة إلى أرغوس وأكثر الممالك الشمالية، ومن جهة أخرى أتينا وتساليا وبعض جزائر الأرخبيل. وكان عدد جيش إسبارطة 60000 مقاتل تحت أمر أرخداموس ملكهم، وعدد جيش أتينا 32000، لكنها فاقت على إسبارطة كثيرا بقوتها البحرية، ومكثت هذه الحروب 28 سنة، تارة انتصرت أتينا وتارة إسبارطة. وكان في السنة الثامنة والعشرين رئيس جيش إسبارطة رجلا يدعى ليساندر، فانتصر على الأتينيين في واقعة بحرية، وحاصر مدينة أتينا برا وبحرا حتى سلمت له، وصارت أتينا تحت حكم إسبارطة، وأما ليساندر فأبطل الحكم الجمهوري من أتينا، وجعل مكانه ثلاثين رئيسا تحت أمر حكومة إسبارطة الذين ظلموا الأتينيين ظلما شديدا، وقتلوا منهم في مدة ثمانية شهور 1500 نفس، ثم قام عليهم الأتينيون وطردوهم، ورجعوا الحكم الجمهوري، وفي هذا العصر ظهر سقراط أشهر فلاسفة اليونان، وكان يعلم بوجود إله واحد سبحانه وتعالى.

وفي آخر زمان حرب المورة توفي دارا نوطيس ملك فارس، وخلفه ابنه أرتخشيارش منيمون الثاني، وكان له أخ اسمه قيروش الذي حسب وصية أبيهما تولى على ليديا والولايات المجاورة لها، فقام قيروش هذا على أخيه قاصدا عزله عن الملك، فأخذ عشرة آلاف من عساكر اليونانيين تحت أمر كليارخوس رجل من إسبارطة، فانتصر أرتخشيارش عليهم في واقعة بقرب من مدينة بابل، وقتل قيروش، وتسمى هذه الواقعة بواقعة «كونا كزه»، ثم مكر ملك الفرس بكليارخوس وقتله، وبعد ذلك انتخب اليونانيون «كسينيفون» رئيسا عليهم، وأخذوا في الرجوع إلى بلادهم، وقاسوا مشقات كثيرة من البرد والجوع إلى أن وصلوا البحر الأسود ووصلوا مدينة «طرابزون» التي كانت أحد نزل اليونان، وسميت هذه الحادثة برجوع العشرة آلاف.

واعلم أن تجريدة العشرة آلاف هي إحدى الحوادث العظيمة القدر والشهرة التي حفظها التاريخ منذ الأزمان الغابرة، نظرا لها ولنتائجها؛ فإن شهامة اليونانيين في أواخر القرن الخامس وأوائل الرابع قبل الميلاد قد ظهرت مظهر الفخار، وكانت محط التعجب أكثر من غيرها؛ حيث كانت الجنود المؤلفة منها هذه التجريدة جنودا مجمكة من أقوام ذوي شراهة ومحبي السلب والنهب، غير أنهم وصفوا بالبأس الصادق وقوة العزم والاقتدار على تتبع مقصدهم ولو بالقتال. فيا لها من خصال عجيبة! وزد على ذلك ما اشتهروا به من النظام وفن تصفيف الصفوف العسكرية اللذين فاقوا بهما معاصريهم كافة عامة، ولهذه الفرقة أيضا مزية لا تقدر هي علم بأصول الحرب لا يقتصر على القواد، بل للضباط أيضا اليد الطولى فيه، وعدم الزيغ عن طريق مستقيم إذا حل بهم الخطب أو نزل ما لم يكن على بالهم، وقصارى الكلام أن الشعائر الدينية بقت فيهم معززة السلطان حتى حين المجازفة وقطع الطريق؛ فهي كانت لهم مصدر وثوق وحماسة، فكان رؤساؤهم لا يشرعون في زحف ولا ينشبون أقل حرب قبل أن يؤكدوا أن الآلهة عنهم راضون، فلو أن أمة عندها جيش من هؤلاء الأقوام - ولو قل عدده - لن تجد أمة في المشرق قاطبة تقاومها، ولن تجد في المغرب غير الرومانيين، فإنهم هم الذين ربما أوقفوا سيرها، وإن تجريدة اليونانيين الذين كانوا في خدمة قيروش استلفتت أنظار اليونان ووجهت أطماع المغرب بأثره نحو الشرق، وأن عدة عجالات تألفت في عصرها، منها رسالة كسينيفون التي زادت هذه الحادثة شهرة على شهرتها التي أفادتها إياها الروايات، فكيف يتصور أن عشرة آلاف يوناني قد قاوموا في مضمار القتال أربعمائة ألف من الفرس وقاوموا القوة والخداع، فكانت هذه التجريدة سببا في إذاعة ضعف المملكة الفارسية، واعتبرت كقاعدة سياسية أن عشرة آلاف قاوموا جنود الفرس إذن ثلاثون ألفا منهم يكونون أكفاء لإخضاعهم، فكانت تلك القاعدة سببا في غزوة أجيسيلاس والإسكندر الأكبر؛ وأن غزوة الإسكندر ليست إلا نتيجة من غزوة العشرة آلاف وإن لم تعقبها مباشرة.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٤١