فكانت التجريدة المذكورة إحدى الحوادث التي من بعض الجهات شرفت الإنسانية وأعلت قدرها، ففي أي ظرف من الظروف كان يتعالى عزم الإنسان هذا في العالم الدنيوي، وما كانت الحوادث تنقاد زمنا طويلا لعزم أو لذكاء مستمرين، وما أفادته هذه الغزوة لفن الحرب هو الركن الأعظم والفائدة الكبرى؛ فلقد كانت له هذه الغزوة أساسا ينتمي إليها ويرجع في مؤلفاته عليها، فإنها مثل يضرب لقواد وضباط وعساكر كل عصر. ومن أعمال هذه التجريدة النظامات العسكرية والحيل المصطنعة لمفاجأة العدو وأنواع التكتيكات للبيادة والسواري.
ولما كان اليونانيون القاطنون في آسيا الصغرى قد قاموا على أرتخشيارش مع قيروش المذكور أرسلت إسبارطة عساكر لمعاونتهم تحت قيادة أجيسيلاس ملك إسبارطة، فوقعت الحرب ثانيا بين اليونان والفرس، فحرض ملك الفرس ممالك المورة أن يقوموا على إسبارطة، فالتزم أجيسيلاس أن يرجع إلى بلاده لحمايتها وبعد حرب عدة سنين عقد الصلح تحت شرط تسليم آسيا الصغرى وجزيرة قبرص للفرس وجزيرة لمنوس وسيرا لأتينا، واعتمد ذلك الصلح سنة 87ق.م. (2-4) جمهورية طيوة
إن طيوة كانت مدينة معتبرة من بيوثيا، ولما كانت الحروب قائمة بين أتينا وإسبارطة وضعفتا كلتاهما تقوت طيوة حتى صارت قاعدة السلطنة لجميع البلاد المجاورة لها، فخافت إسبارطة لئلا تزيد قوة طيوة وسطوتها، فأرسلت جيشا وأخذت المدينة، وأقامت عليها ولاة من قبلها فقتلوا كثيرين من أهاليها، وهرب آخرون إلى أتينا منهم رجلان اسم أحدهما «أبامينونداس» والآخر «بلوبيداس»، فقاما على ظالم بلادهم وقتلاه بمساعدة بعض الأهالي، فاضطربت بسبب ذلك حرب شديدة بين إسبارطة وطيوة، فانتصر جيش طيوة بقرب «لوكريا» - إحدى مدن أركاديا - بالمورة وأضربوا ليكاونيا بالنار والسيف حتى أبواب إسبارطة ذاتها، وعادوا إلى بلادهم، ثم تجددت الحرب بعد برهة من الزمن، وانتصرت طيوة، ولكن قتل أبامينونداس.
وبقرب هذا الوقت حدث في مقدونيا قلاقل كثيرة؛ إذ توفي إمنتاس ملكها تاركا ثلاثة أولاد، فشرع هؤلاء يتنازعون الملك، فطلب المقدونيون الإسعاف من طيوة، فأرسلت جيشا تحت قيادة بلوبيداس لكي يصلح أحوال تلك البلاد، وعند وصوله إلى هناك ثبت الملك في يد فرديكاس، وأخذ أخاه فيلبش وثلاثين من أولاد أكابر البلاد رهنا، وأرسلهم إلى طيوة، وفي مدة إقامة فيلبش هناك تعلم قواعد الحكم والحرب من أبامينونداس وبلوبيداس، وبعد عقد الصلح بين طيوة وإسبارطة لم يحدث بين اليونانيين أمر مهم إلا في زمن الملك فيلبش المذكور. (2-5) تاريخ مقدونيا
اعلم أن مبدأ تاريخ هذه المملكة مجهول الحال، فقيل إن مؤسسها هو أول ملوكها المدعو كرانوس سنة 794ق.م، وكان إمنتاس أبو فيلبش سادس عشر ملوكها بعد كرانوس، وقد تقدم أن فيلبش تعلم من طيوة قليلا من أمور السياسة، وكان عمره وقتئذ عشر سنين، فأقام فيها اثنتي عشرة سنة، ولما بلغه خبر قتل أخيه هرب من طيوة، فوجد أهل بلاده مكتئبين من قتل ملكهم فرديكاس في واقعة مع أهل «إيليريا»، وكان لفرديكاس ابن صغير، فأخذ فيلبش على نفسه أن يكون وصيا له، وحكم باسمه، إلا أنه بعد قليل طلب المقدونيون أن يكون هو الملك، وأنهم لا يريدون طفلا يملك عليهم، فأجاب طلبهم وملك سنة 360ق.م وعمره 56 سنة، ثم أخذ في تدبير الوسائط لإخضاع الممالك اليونانية، وضمها إلى مملكته وإذ كانت أتينا وإسبارطة قد ضعفتا في الحروب مع الأعجام، وكانت طيوة أيضا قد ضعفت من حروبها مع إسبارطة، فأخذ يزرع الفساد بين ممالك اليونان، وكان له في جميعها خدمة في أهلها وأكابرها ساعدوه على إجراء مقاصده، وفتح بقرب مدينة «فيلبي » معادن الذهب والفضة، واستخرج منها كل سنة مبلغا وافرا من المال، فيغلب بالدراهم إذ لم يستطع أن يغلب بالسلاح. وفي السنة الرابعة من حكمه ولدت زوجته «ولمبياس» ابنا في مدينة «بلا»، وسماه الإسكندر، وكلف بتعليمه وتهذيبه أرستطاليس الفيلسوف.