وإلى ما يسمى الإتنوجرافيا، وهو ما يتتبع تاريخ كل أمة على حدتها، فإن تتبع جميع الحوادث الواقعة من الأمم الشتى في عصر واحد سمي باسم السنكرونيسم. ويسمى بالتاريخ النظري أو الفلسفي إذا كان المؤرخ قد اقتص الوقائع مع توضيح أسبابها ومسبباتها وغير ذلك. (2) تشعب الأمم
يظهر لمن درس لغات الأمم وسمع رواياتهم وكان على جانب من علم سيما الوجوه أن الأمم القاطنين عند مصبات نهر التنك في آخر حدود المشرق، والأمم القاطنين على امتداد سواحل البحر الأبيض المتوسط هما من نسل عائلتين كبيرتين يخرجان من أصل واحد، غير أنهما انفصلا بفاصل عظيم ألا وهو اختلاف لغاتهم. وهاتان الأمتان قاطنة إحداهما غربي نهر الدجلة سامية الأصل، والأخرى قاطنة في الشمال الغربي من بلاد الهندآرية الجنس وتسمى بالجنس الهندي الأوروبي، وهذا الجنس ينقسم إلى فرعين؛ الأول: الأمم التي تتكلم بالسنسكريتي (أي اللغة الأصلية القديمة)، وذهبوا إلى الشرق جهة الهندستان. والثاني: الأمم التي تتبع الكتاب المقدس المسمى «بالزند» قطنوا بالغرب جهة العجم، وقد مكثت البراهمة ومن تتبع مذهب زرادشت في الوحدة والعزلة خارجا عن التمدن الأوروبي إلى عهد الإسكندر؛ حيث بث فيهم روح التمدن وأخذوا في التقدم والارتقاء، فمن هذا المحتد الأصلي خرجت أمم لا عداد لها في زمن غير معلوم لدى التاريخ، ونزلوا بالأرجاء الغربية إلا أنه يوجد طريقان يظهران هؤلاء الأمم قد ولجوهما عند قيامهم من آسيا إلى أوروبا؛ الأول جهة الجنوب إما من بلاد العجم أو من بلاد آسيا الصغرى والآخر في شمال بحر الخزر بصحراء «سرماسيا».
ولقد أغلق الباب الأول مدة في سالف العصر ممالك آشور وميد على أمة البيلاج والليديين وأمة هيلانة الذين ذهبوا واندثرت أخبارهم وكانوا أصل الأمم القاطنة بآسيا الصغرى واليونان وإيطاليا. وأما الطريق الثاني فقد كان مفتوحا من سالف العصر لأمة «السلت» والجرمانيين «والسلاف»، فظهر حينئذ أن أمتين من أهل آسيا سكنتا قارة أوروبا على يمين وشمال جبلي الهيموس والألب، وكان من سكن جهة الألب أقدم ممن سكن بالهيموس، والغالب على الظن أن اللغات التي كانت تتكلم بها الأمم القاطنة تحت هذين الجبلين مشتقة من السنسكريتي، وأن اللهجات الجرمانية للأمم الشمالية تقرب من لغة «الزند» وبعض لغات أمة «السلت» و«الجايليك» تقرب من لغة البراهمة، والبعض الآخر يقرب من لغة المجوس فالهند وبلاد فارس وآسيا الصغرى، وكافة أوروبا جميعها من الجنس الآري. وأما الجنس السامي فهو الجنوب الغربي من آسيا وشمال أفريقا وجنوب إسبانيا، وفي هذين الجنسين وجد الجنس الإنساني تمامه المادي والأدبي. وكلما تقدم الإنسان جهة الغرب وجد أن الجنس الآري والسامي قد صادما في طريقهما قدماء قارة أوروبا القديمة؛ فأمم السلت وجدوا أمامهم أقوام «الأيبر»، فدفعوهم إلى جبال البرينيه، ولم تزل ذريتهم باقية إلى الآن، ويعرفون باسم «اسكوبالدونا». وقابلت الأمم الجرمانيون وأمة السلاف وأمة «فينوا» و«لايون»، فطردوهم إلى الأقاليم الشمالية، وقد استأصلت أمة القوقاز في أقاليمها العالية الصعبة العبور أمما لم يعلم لهم أصل لدى التاريخ.
وفي أعالي جبال الأطلس وطأت البرابرة بأرجلهم تأثير سلطة المور «المغاربة» وأهل نوميديا وقرطاجة وروما والعرب والترك، بحفظهم لغاتهم الأصلية، واستقلالهم. وفي الزمن الذي تأسست فيه مملكة شارلمان بأوروبا كانت هؤلاء الأمم منقسمة إلى: «أمة الأيبر الأصلية»، وكانت تسكن جبال البرينيه بين نهر الجارون والأيبر الأعلى، وقد خالطهم بعض الفنيقيين في جهة بيطيق بإسبانيا، وبعض أمة الغالة جهة نهر التاج «وسلتيبريا»، ولقد سكنت أمة «السلت» بريطانيا العظمى وبلاد الغالة وبعض بلاد أكيتين وجزء من بلاد «تربونيز» وأعالي إيطاليا وجبال الألب وعددا عظيما من بلاد الشاطئ الأيمن لنهر الدانوب وبعض أيالات آسيا الصغرى «جالاتيا». وأما الجرمانيون وأمة السلاف أو السارمات فقد اقتسموا السهول الواسعة التي بين المحيط المتجمد الشمالي وبحر الخزر، وتزاحموا وراء نهري الرين والطونة. وأما أمم اليونان واللاتين فقد سكنوا أواسط مملكة شارلمان، والأول قد توجهت أنظارهم إلى المشرق، وأطاعوا الإسكندر والأخر إلى المغرب؛ حيث هناك كانوا ينشرون عوائدهم ولغاتهم.