تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما جهة الجنوب فقد سكنت الأمم السامية شواطئ أفريقا، جهة البحر الأبيض، تحت اسم المور وأمة نوميديا والفنيقيين، واختلطوا في مصر بأمة الزنج - أي أهل الأتيوبيا - وفي بلاد الأرمن بالجنس الآري، وكذا بشبه جزيرة العرب وفلسطين. وأما من سكن بلاد الشام فقد خالطهم أمة هيلانة، وكان وراءهم أمة الزند وأمة السنسكريت أو الهنود، وفي أواخر المشرق الأمم المسماة «سير». (3) في استمداد تاريخ مصر

يستمد تاريخ مصر من كلام المؤرخين القدماء والآثار. (3-1) المؤرخون الأقدميون

اعلم أن تاريخ مصر قبل معرفة اللغة البربائية (الهيروغليفية) كان يستوعر طريق استيفائه ووصفه، ومن المستحيل إدراك تحديده وتكييفه وكنهه. نعم، وإن كانت نصوص التوراة دلتنا على بعض معلومات من تاريخ مصر كعلاقة المصريين بالعبرانيين مثلا؛ حيث دلتنا على أن موسى عليه السلام ولد في عهد رمسيس ميامون الثاني، وأن خليفته «منفطا» هو الذي في عصره كان خروج بني إسرائيل من مصر. شيشنق الأول أحد ملوك العائلة الثانية والعشرين حاصر مدينة أرشليم، إلا أن هذه النصوص لم تكن كافية لمعرفة الكرونولوجيا المصرية، ولم يكن إلا في القرن السابع قبل المسيح عليه السلام، أي في القرن الثالث عشر قبل الهجرة، على صاحبها أفضل التحية؛ حيث عثر على أرقام مضبوطة تنسب إلى الكرونولوجيا اليونانية. واعلم أن أقدم مؤرخ قد كتب لنا شيئا من تاريخ مصر هو المؤرخ اليوناني «هيرودوت»، الذي راد سواحل النيل في سنة 455ق.م، وقد جاء بعده المؤرخ «ديودور الصقلي» في سنة 8ق.م، وكذا الجغرافي «استرابون» أحد معاصري المؤرخ السابق الذكر والبيان، وهو الذي جاب مصر إلى الشلالات، وكذا المؤرخ «بلو تاركه» الذي ألف رسالته التي موضوعها الكلام على الإلهين «إزيس» و«أوزيريس» في آخر القرن الأول من الميلاد. وهؤلاء المؤرخون قد وصفوا لنا مصر بما عهد فيهم من الصداقة وعوائد المصريين وأخلاقهم ودياناتهم ونظاماتهم وجميع الأعمال التي صادفت سياحتهم، غير أن مؤلفاتهم هذه لم تكن كافية لتشييد دعائم هذا العلم؛ نظرا لجهلهم لغة البلد، فإنهم وصلوا إلى روايات غير قادرين على تحقيقها.

وفي القرن الثالث قبل المسيح ألف المصري «مانيتون السمنودي» والقسيس الأول لمعبد «هيليوبوليس» وأمين خزائنه تاريخا لمصر، لكن لسوء الحظ فقد هذا المؤلف العظيم، ولم نعثر على شيء منه إلا بعض ما نقله إلينا المؤرخ «يوسف» في تاريخ الأمة العبرانية، والمؤرخ «إيزيب» و«جيورج لوسنسل» اليوناني في القرن الثامن من المسيح، وجدول الملوك الذي اعتمده بعض علماء الفرنج، وهذا الجدول الذي اعتنى بجمعه القسيس المذكور مقسم إلى عائلات ملوكية تشمل جميع الفراعنة الذين حكموا مصر منذ تأسيس الهيئة الحكومية إلى ظهور الإسكندر المقدوني، وقد أودعه بعض التفاصيل البيوجرافية وتعيين بعض السنين، وبجمع هذه السنين نستدل على أن الهيئة الحكومية قد أسست بمصر قبل المسيح عيسى عليه السلام بمدة تزيد عن 5000 سنة.

إلا أنه لم تتفق كلمة المؤرخين على هذا التاريخ، والصعوبة التي أوقفت معرفة مدة حكم كل عائلة هي كون المصريين كانوا يجهلون أمر الكرونولوجيا، ومع كل فإن الفاضل «ماسبيرو» استدل بصحيفة ترجمها أن سنة 1400 قبل الميلاد تقابل إحدى سنى حكم رمسيس الثاني، ولكن هذه العبارة وغيرها لا يحققهما شيء من هذا القبيل، وإن حققهما شيء يتحقق عندنا كثير من التواريخ بدون أن تتعين نقطة تكون مبدأ للتاريخ، ولكن يمكن أن يقال على رأي العلامة ماريت باشا إن استعمال تاريخ خاص كان مجهولا عند المصريين القدماء، بل كان من عادتهم أن يحسبوا الحوادث بسني حكم الملك الذي وقعت في مدته تلك الحادثة، فمن ذلك يتعسر الوقوف على شيء من أمر الكرونولوجيا بما أنهم كانوا تارة يحسبون من ابتداء السنة التي مات فيها الملك السابق وتارة من يوم مبايعة الملك الذي أخلفه، فمهما كانت المقادير الظاهرية لهذه الحسابات ومهما كان تقدم العلم الحالي سنقف عند تحديد زمن للكرونولوجيا المصرية لجميع السنين السابقة لحكم «بساميتيك الأول» سنة 665ق.م.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ٤