فقد ألبس - حماه الله - كل مصري نعمة ورفع عنه نقمة، حتى أجمع الناس على محبته وأصبح لسان الحال وهو يقول:
ولو قيل اطلبوا شرفا لقلنا
يعيش لنا الأمير ولا نزاد
ولما أبى الدهر إلا نصرته وتعزيز سلطانه، وتأييد كلمته، قيض الله له رجل السياسة، ورب الحكمة والدراية، وقطب دائرة المعارف، من رضع من أظآر الحوادث حلوها ومرها، فادخر لصروف الزمان، مهلك الطغاة، مبيد العدو وأهل الضلال، صاحب الدولة والإقبال الوزير الخطير «رياض باشا».
لا زال يسلك في العلياء خطتها
ومصر ترجوه دون العرب والعجم
هذا ونرجو ممن يطلع على عثرة أن يصلحها
إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين .
| مقدمة
(1) في ثمرة علم التاريخ وأقسامه
ذكر ابن خلدون رحمه الله تعالى في أول مقدمة تاريخه ما نصه:
اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.
فالتاريخ هو مرآة الأزمان، ومنبع العلم والحكم، وناصر العدل والفضيلة، فهو يرشد الإنسان أن الفضل دون غيره يورث العظم والاحترام، ويشخص لنا الوقائع وقد سلفت، ويعيد لنا الممالك وقد ذهب رسومها وعفت، فيرى الإنسان دماء الأبرياء والشهداء قد جعله التاريخ أسواطا للحق يضرب بها أهل الشر إلى يوم الميقات، ويلطخ بها صفحاتهم حتى تكون عبرة لمن اعتبر، وكذا يسمع عند تقليب مهارقه صياح الأمم وأنينهم تحت نير العبودية القديمة، فيخرج وقد آلى على نفسه أن يكون من أنصار الجنس البشري وأعوانه، يطلب الحرية أينما كانت، ويمد يد المساعدة لمن يطلبها، وكذلك يطلعنا على أحوال من مضى من الرجال أولي المنازل الخطيرة، ويوقفنا على كافة أحوالهم وأفعالهم ومشروعاتهم ومقاصدهم وفضائلهم، فيعلي قدرهم ويلبسهم ثوب التجلة، فمن ذلك تعلم نفاسة علم التاريخ وفائدته العظمى.
وينقسم علم التاريخ إلى قسمين عظيمين؛ تاريخ طبيعي، وتاريخ مدني.
أما الأول:
فليس من موضوع كتابنا هذا.
وأما الثاني:
فهو علم بأصول يبحث فيه عن الإنسان من حيث التمدن والعمران، وينقسم إلى فرعين: تاريخ عام وتاريخ خاص.
فالتاريخ العام: هو عبارة عما يشمل تاريخ النوع الإنساني وحاله العمراني من عهد الخليقة إلى عصرنا هذا.
وقد جرت عادة مؤرخي الفرنج وغيرهم على تقسيم التاريخ العام إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: التاريخ القديم أو العالم القديم، وذلك من ابتداء الخليقة إلى ظهور المسيح عيسى عليه السلام. الثاني: التاريخ المتوسط أو القرون الوسطى، وذلك منذ ظهور المسيح عليه السلام إلى استكشاف أمريكا سنة 1492م. الثالث: التاريخ الحديث أو القرون المتأخرة وذلك من استكشاف أمريكا لغاية وقتنا هذا.
وقد ينقسم أيضا إلى قسمين: قبل الطوفان، وبعده. أما قبل الطوفان فهو من ابتداء الخليقة إلى حادثة الطوفان.
وأما بعد الطوفان: فينقسم إلى فرعين؛ الأول: من ابتداء حادثة الطوفان لغاية فتوح القسطنطينية بالإسلام في عهد السلطان أبي الفتح محمد خان سنة 1453. والثاني من ابتداء فتوح القسطنطينية بالإسلام لغاية وقتنا هذا.
وأما التاريخ الخاص فينقسم أيضا في اصطلاح المؤرخين إلى قسمين؛ الأول: التاريخ الخصوصي، وهو عبارة عما يختص بغرض واحد معين كتاريخ مدينة أو عائلة ملوكية أو ذات مخصوصة، وهذه الصورة الأخيرة تعرف في اللغة الفرنساوية باسم بيوجرافيا «السيرة أي القصة» كسيرة سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم
وغيره.
الثاني: التاريخ الجزئي وهو ما يتعلق بخصوص مدة شهيرة أو حادثة كبيرة كتاريخ حروب الصليب وغيرها.
وينقسم علم التاريخ إلى ما يسمى في اللغة الفرنساوية باسم الكرونولوجيا؛ أي علم الأزمان، وهو ما يتبع ترتيب الإعصار على وجه الانتظام.