ذكر الملك نيخاؤس الثاني 617-600ق.م:
تولى هذا الملك طاعنا في السن، وسلك بهمة ونشاط سلك مشاهير الفراعنة، حتى ألبس مصر ثوب المجد، ووجه همته إلى إتمام السفن الحربية، واعتني بأمرها كثيرا؛ لأنه كان يريد الاستيلاء على سواحل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، فندب لهذا العمل مهندسين من اليونان أنشئوا له معامل بحرية، وغيروا المراكب المصرية القديمة بمراكب حربية جديدة تسير بالمجاذيف، وتسمى بالأغربة، وتشبث أيضا بمشروع مهم وهو إيصال البحر الأحمر بالبحر الأبيض لقطع برزخ السويس، فحفر ترعة امتدادها أربع مراحل بحرية، وعرضها يسع سفينتين، كان مبدؤها مدينة تل بسطة، وآخرها بركة التمساح، إلا أنه هلك في حفرها 120000 نفس، فتشائم الملك منها وأمر بإبطالها، سيما لما أخبرته الكهنة بأن حظ الانتفاع يكون لأمة أجنبية، وقال أرسطاطاليس إن الملك كف عن عمل الترعة بناء على إخبار المهندسين له؛ لأن سطح البحر الأحمر مرتفع عن أرض مصر فخاف عليها من الغرق، وبعد ذلك انفتح لهذا الملك مشروع مهم، وهو أنه بلغه من ملاحي صور وقرطاجة أنهم اكتشفوا على سواحل أفريقا بلادا فيها كثير من الذهب والعاج والأخشاب العجيبة فأمر الملك ملاحي الفنيقيين بأن يذهبوا بسفنهم في طلب تلك البلاد، فطافوا حول أفريقا مدة ثلاث سنين، لكنهم لم يجدوا تلك البلاد، وخاب سعيهم. وفي هذا الوقت كان انحطاط مملكة آشور، فقام نيخاؤس سنة 603 بحيش جرار إلى آسيا وهجم على بلاد فلسطين، فقهر ملك يهوذا المدعو يوشيا، وقتله في مدينة مجدو «مجدلة»، وألبس التاج إلى يهوياقيم، وضرب عليه الجزية، وبعد ذلك صار بدون معارض حتى وصل الفرات، مرتبا الحراس في كل إقليم استولى عليه، ولما أدخل الجهات البحرية تحت طاعته انعطف جهة الجنوب، ونزل بأرض بجوار حمص، وأقام هناك منتظرا قدوم أهل الشام للتحية عليه، فبلغه تظاهر اليهود عليه، فأحضر ملكهم وعزله وعين بدله وضرب عليه الجزية، وبعد أن استولى على بلاد الشام وفلسطين عاد لمصر، فقام بختنصر ملك بابل وحارب نيخاؤس، وأخذ منه جميع البلاد التي فتحها، وبعد ذلك أراد نيخاؤس أن يسترجع البلاد التي أخذت منه فمات بدون أن يبلغ إربه.
ذكر الملك واح أبرع أو أبرياس بن بساميتيك الثاني 594-570ق.م:
في عصر هذا الملك استنجد به صدقيا وجاهر بالعصيان على ملك بابل، فقام بختنصر وهزم ملك اليهود، ودخل بيت المقدس الشريف، وبعد ذلك توجه لقتال ملك مصر؛ حيث كان حضر هو وجنوده لإعانة ملك اليهود، فانهزم المصريون بمجرد وصول عساكر بابل، وعاد بختنصر إلى بلاد اليهود، وقتل أولاد صدقيا، فالتجأت اليهود بعد ذلك إلى مصر، فاستقبلهم ملكها وأقطعهم أرضا بقرب زفتى، وبعضهم سكن صعيد مصر. وبعد أن فرغ ملك بابل من قتال أهل آسيا رجع على مصر وقتل ملكها وأقام عليها حاكما من طرفه، وأخذ معه اليهود على ما رواه يوسيفوس المؤرخ اليهودي، ولكن هذه الحادثة نقضت ما قاله هيرودوت المؤرخ اليوناني من أن النصرة كانت للمصريين، وقيل إنه بعد هذه النصرة استنجدت به سكان سواحل ليبيا على قبائل اليونان بالقيروان، فأرسل عليهم جيشا مركبا من عساكر مصرية، فانهزم المصريون وقتلوا، ولم ينج منهم سوى من هرب لمصر، فتسبب عن ذلك عصيان وثورة من المصريين ضد الملك فأرسل عليهم جيشا تحت رياسة رجل من الرعاع اسمه أحميس، وبينما كان ينصحهم لردهم عن عصيانهم إذ أقبل عليه أحد الجنود العاصية وألبسه التاج، وقال قد رضيناك ملكا علينا، فقبل منهم ذلك وقام معهم لقتال الملك، فالتقى الجيش المصري والجيش اليوناني الذي كان مع الملك بقرب مدينة صا الحجر، فانتصرت الجنود المصرية، ووقع الملك في قبضة أحميس فأحسن مثواه وعامله معاملة الملوك، ولكن بعد ذلك طلب المصريون تسليم الملك لهم، فبمجرد ما أخذوه خنقوه.