الملك آموزيس وهو أحميس الثاني 570-529ق.م:
قال هيرودوت: «لما تولى هذا الملك تزوج بحفيدة الملك بساميتيك الأول، ليؤسس بذلك لنفسه عائلة ذات حق، وحافظ على نفوذ الشوكة المصرية في فنيقيا، وأتم فتوح جزيرة قبرص، وكان ذكي الفطنة، ولخوفه على بلاده من العجم أحسن سياسته مع ملكهم قيروش أو كرش، فتمتع بالراحة 25 سنة، وكانت مملكته في درجة عالية من الثروة، ووسع الترع، وأصلح شأن الزراعة والتجارة، حتى أصبحت مصر به غنية، وقطع الأحجار، وأصلح جميع آثار الكرنك وغيرها، وأصلح الوجه البحري؛ إذ كان متخربا وقتها، وبعناية هذا الملك صارت مصر في درجة لم تصل إليها غير أيامه، حتى قيل إن مدنها بلغت في عصره 20000 مدينة عامرة، وكثرت بها التجارة، خصوصا مع اليونان الذين كان دائما شاملا لهم بأنظاره، ولحبه لهم تزوج منهم، وقد بلغ عدد اليونان في ذلك الوقت 200000 نفس، فأعطاهم مدينة نقراطيس، ولعلها «فوه»، واشتغلت أولئك اليونان بنقل كل ما يسمعونه من أخبار المصريين إلى البلاد الأجنبية، فقويت أطماع الناس في مصر، وصار يأتيها كثير من الفلاسفة والتجار والعسكر الأغراب المتنوعة، وفي هذا الوقت توفي قيروش ملك العجم، وتولى بعده ابنه قمبيز الذي غزى مصر كما سيأتي، ولخوف قمبيز على عساكره من صحراء العرب قيض الله له رجلا يونانيا يدعى فانيس، حضر إليه من مصر، فأطلعه هذا اليوناني على حقيقة تلك البلاد، ودله على الطريق الموصل إليها، وبناء على ذلك عقد قمبيز معاهدة مع العربان الذين كانت لهم اليد على الطريق الموصل للنيل ليأتوا بالماء لجيشه، وعلى ذلك سارت جيوش العجم حتى حلت أمام الطينة، وفي هذا الوقت توفي أحميس وأخلفه «بساميتيك الثالث».»
الملك بساميتيك الثالث 525ق.م:
وفي عهد هذا الملك اشتدت الحروب بين العجم والمصريين عند الطينة، وكان من جملة الجيوش المصرية فرقة من اليونان أرباب الجمكية، فأرادوا أن ينتقموا من فانيس الذي ترك أولاده وهرب عند العجم، فأحضروهم إلى المعسكر وذبحوهم بين الصفين وأبوهم ينظر إليهم ويتقطع قلبه حسرة عليهم، ووضعوا دمهم في إناء ومزجوه بالنبيذ وشربوه، وبعد ذلك اقتحمت المقتلة بين الفريقين، واحتال قمبيز على ما قيل بحيلة عجيبة، وهي وضع كثير من القطط والكلاب والحيوانات المقدسة في مقدم جيشه؛ لعلمه بأن هذه الحيوانات هي معبودات المصريين، ولذلك لا يمكنهم أن يرموا سهامهم عليهم، وبهذه الحيلة تقهقر المصريون، ولم يثبت في القتال سوى عساكر اليونان، فانتهت الواقعة بهزيمة المصريين، فأرسل بعد ذلك ملك العجم إلى المصريين رسولا في سفينة من عنده، يطلب منهم التسليم، فكسر المصريون السفينة وقتلوا من بها، فحضرت العجم قلعة منفيس، وحاصرتها واستولت عليها، وقتلت ابن الملك وكثيرا من أعيان المصريين، وبذلك خضعت مصر إلى الملك قمبيز، ووقع بساميتيك في الأسر فأبقاه حيا، ويقال إنه بعد تسليم «منفيس» أمر قمبيز بإحضار أولاد الملك وبناته بملابس الرق حاملين قدور الماء على رءوسهم، ثم طلب أيضا أولاد أعيان المصريين الذين حكم عليهم بالقتل ليمروا أمامهم قبل القتل، وكان بساميتيك مشاهدا لذلك مع إظهار الصبر، وأخيرا أراد أن يجعله نائبا على مصر بدله، فقال: «الموت ولا النيابة»، فقتله وسلم حكم مصر إلى إيرندس الفارسي، وبهذا الملك انتهت العائلة السادسة والعشرون، وتليها العائلة السابعة والعشرون الفارسية إن شاء الله. (1-2) ديانة قدماء المصريين
كانت الأمة المصرية أعظم الأمم تدينا، وفضلا عن تعدد الأصنام التي كانوا يعبدونها فإننا نرى أكابر مصر وحكماءها يعتقدون وحدانية الله، وما عداهم من الأمة فكانت عاكفة على عبادة الأصنام.
أما ديانة المصريين فكانت مؤسسة على عبادة الشمس، وكان لها عندهم أسماء وأشكال مخصوصة حسب سيرها في السماء مدة النهار، وكان لكل مدينة وإقليم إله مخصوص، فكان إله مدينة طيبة «آمون» وغيره، وكان إله مدينة منفيس «بتاح» وغيره. وكانت هذه الأسماء تتغير في بعض الأقاليم، أما عبادة أوزوريس وأبيس وهوروس، فكانت منتشرة أكثر من غيرها، وكثيرا ما كانت هذه الآلهة تتشكل عندهم بأشكال حيوانات كالطيور والتماسيح وغيرها، وكانت هذه الحيوانات عبارة عن رموز على قدرة الخالق سبحانه وتعالى، وكانوا يعرفون أن العبادة التي تقدم لهذه الآلهة إنما تقدم لله جل شأنه؛ حيث قدمت لصفاته.