ففسر الأحبار الملك الجبار بسباقون السوداني الآتي ذكره.
ذكر مآثر الملك سباقون:
لما تولى هذا الملك ملك مصر تلقب بالألقاب الفرعونية، وشرع في تنظيم البلاد، وأحسن التدبير فقوى الجسور وشيدها، وحفر الترع وطهرها؛ خوفا على البلاد من الغرق والشرق، وسعى في تعمير مدينة بسطة، وبنى ما تخرب منها ومن منفيس، وأبطل العقوبة بالقتل بالأشغال الشاقة، وعمل معاهدة مع الفنيقيين وبني إسرائيل وأهل فلسطين ضد ملك آشور فأتت عليه بالوبال؛ حيث حاربه ملك آشور، فانهزمت الجيوش المصرية، وهرب الملك سباقون وكانت هذه الهزيمة سببا لهيجان الوجه البحري عليه وعلى السودانيين، حتى طردوهم إلى طيبة، فقام «استيفانيس» قريب الملك «باخوريس» أو «باكوريس» إلى إعادة نظام حكومة الوجه البحري، وأعلن أنه هو الملك، أما سباقون فانحاز إلى الصعيد، ومات بعد قليل، وترك حكم الأتيوبيا والوجه القبلي لابنه «سباخون» الذي حارب ملوك الوجه البحري انتقاما لأبيه، فظفر بهم، وحكم كل مصر، ولكن بعد قليل تغلب عليه طهراقه وقتله.
ذكر مآثر الملك طهراقه:
كان هذا الملك رجلا محاربا، وفي عصره أغار عليه ملك آشور، وطرده وأرجع الحكومة لأمرائها العشرين، وجعلهم يحكمون تحت رياسة نيخاؤس الأول، ولكن في سنة 669ق.م أغار طهراقه على مصر ثانيا، فحاصره ملك آشور وهزمه، وطرد السودانيين وأرجع الحكم للأمراء السابقين، وعلى ذلك استمرت البلاد طورا في أيدي السودانيين، وطورا في أيدي الآشوريين. ومكثت مصر تابعة لملوك الآشوريين مدة من الدهر، ثم عرفوا أن ملك مصر يحتاج لكثير من المشقة والتعب فتركوها، وآلت بعد ذلك إلى نوات ميامون ملك الأتيوبيين.
ذكر مآثر نوات ميامون:
في هذه المدة اضمحلت مملكة آشور، فخرجت مصر من حوزتها، فلما رأى ملك الأتيوبيا ذلك فاجأ المصريين وأغار عليهم، فاستولى على الوجه القبلي بدون معارضة؛ لوجود حزب الأتيوبيين هناك فساعده على ذلك، أما الوجه البحري فاستعمل المقاومة، ولكن أخيرا انقادت أمراؤه لهذا الملك وقدموا له الطاعة، وحكم كل مصر ثلاث سنوات. (ز) الفترة بين العائلة الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين 665 إلى 650ق.م
لما انتهت حروب الأتيوبيا، وانجلت بعض عساكرها عن أرض مصر أدت مصر إلى انحطاط قدرها وكسرت شوكتها، وشق على أهلها تحمل حكم ملوك الأتيوبيا مع عدلهم؛ إذ كان أصعب ما على الأمة المصرية الانقياد للأغراب، فتعصبت وجهاء المدن وأعيانها، وتعاهدوا على نزع الملك من يد السودانيين، فقاموا عليهم وطردوهم من الوجه البحري وتقاسموا الملك بينهم، وكانوا اثني عشر حاكما، كل واحد يحكم إقليما، فسميت حكومتهم بالتقاسيم الاثني عشرية، وكانت عبارة عن جمهورية، وكان بساميتيك من ضمن هؤلاء الأمراء، فاستعان عليهم بعساكر يونانية متطوعة حتى أخذ مصر من يدهم، واستبد بحكمها فصارت مملكة واحدة، وصار هو مبدأ العائلة الصاوية السادسة والعشرين، وبانفراد هذا الملك انفتح لمصر ثانيا باب مجد جديد، وعاد لها رونقها الأول وشوكتها القديمة، وقد مكثت مدة الدولة الاثني عشرية 15 سنة. (ح) ذكر العائلة السادسة والعشرين الصاوية القرن 6ق.م
حكمت هذه العائلة سنة 650ق.م، ومدة حكمها 138 سنة، وملوكها ستة.
بساميتيك الأول 650-617ق.م:
لما كان هذا الملك أجنبيا عن الملك، تزوج ببنت من العائلة المصرية الملوكية، وكانت مصر في مبدأ حكمه قد اعتراها الخراب في حربها مع الآشوريين والأتيوبيين، حتى طمت الترع وتلفت الطرق، فشرع «بساميتيك» - على ما رواه هيرودوت المؤرخ اليوناني - في إحياء مصر، فأصلح الترع والطرق، وأعاد الراحة والأمن، وبث العلوم، وعمر بيوت العبادة، وأصلح ما تهدم من معبد الكرنك وغير ذلك من المنافع العمومية، وسعى في تحسين سياسته مع الممالك المجاورة بجنوب مصر وشمالها، وهي مملكة الأتيوبيا وآشور والقيروان، ولحفظ بلاده شيد قلاعا في مضايق طرق الشام، وفي ضواحي بركة المنزلة من الجهة الغربية، وفي الشلال الأول، وبعد أن تمم ذلك قام لغزو النوبة فظهر عليها، وبعد ذلك قام لفتح الشام فزحف عليها وملك فلسطين، وأخذ مدينة أشدود واكتفى بذلك، وبعد هذه الفتوحات دهم مصر مصيبة كبرى، وهي أن هذا الملك اقتدى بأسلافه الفراعنة، وجلب إلى مصر الأجانب، فأكرم نزل اليونان وأقطعهم أرضا على شواطئ بحر الطينة جهة الفرمة، وفي هذا الوقت أيضا قدم قوم آخرون ورسوا بساحل بحر رشيد، وأسسوا هناك معسكرا متسعا، فقويت شوكتهم واختلطوا بالمصريين، وأدخل أطفالهم المدارس المصرية، وكان منهم سولون وفيثاغورث وأفلاطون «بمدرسة عين شمس الآن المطرية» وكان المصريون ينظرون لهم بعين الاحتقار، ويأنفون من الاختلاط بهم، وكانت كراهتهم لهم مضمرة أولا، ولكن بعد ذلك انكشفت؛ وسبب ذلك أن الملك أنعم عليهم بالرتب، فأصبحت مصر تحت محافظتهم، وأخيرا لما اشتد غيظ المصريين من ميل الملك للأجانب اجتمع منهم نحو 240000 نفس شاكي السلاح، وهاجروا إلى بلاد الأتيوبيا، وهناك قابلهم ملكها بالترحاب ثم وطنهم بين البحر الأبيض والأزرق، فنشأت منهم أمة عظيمة اشتهرت بطائفة الأسماط؛ أي حجاب، ولكن سياحي اليونان سمتهم باسم أوتوموليس، وبقي هذا الاسم معروفا إلى القرن الأول من الميلاد، ومات هذا الملك سنة 611ق.م، ودفن في صا الحجر، وورثه نيخاؤس الثاني.