تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما تولى هذا الملك قويت أطماعه في توسيع دائرة مصر فاستمر يحارب جنوبا وشمالا، فتحارب مع أهل الأتيوبيا، وامتدت حكومته إلى محاجر مدينة «إتبو» بوسط النوبة، بدليل وجود اسمه منقوشا هناك، وفي عصره اتسعت حدود مصر فكانت تمتد جهة الجنوب إلى جبل «إيتا» بالحبشة وجهة الشمال إلى آخر أساكل أهل آسيا، وكانت بلاد الأتيوبيا منبع الثروة المصرية بكثرة بضائعها وصنائعها ومعادنها، وبعد أن أدخل النوبة تحت طاعته ورتب فيها الحكام زحف بجيوشه على القوم القاطنين بين نهر الدجلة والفرات فانتصر عليهم، ولهذا الملك جملة عمارات منها: تشييد جزء من معبد «آمون» بالكرنك، ومسلتان إحداهما بباب المعبد والثانية ضاعت. وفي أيامه جلب المصريون الخيل معهم، ولم تكن معهودة قبل الآن في بر مصر، وتعلموا من «أمة الرطنو» صنع العربات الحربية، وصارت من وقتئذ من المهمات الحربية المصرية، ومع انهزام سكان آسيا وخضوعهم لملك مصر فإنهم حافظوا على قوانينهم ودياناتهم، وانحصرت عبوديتهم في تقديم جزية سنوية لفراعنة مصر.

ذكر طوطوميس الثاني:

في أثناء حكمه أرسل جيوشا لبلاد الشام والأتيوبيا فبايعوه من غير حرب، وقهر الأقطار السودانية التي كانت قائمة، وأدخلهم تحت طاعته، وصير بلادهم من الشلال الأول إلى بلاد الحبشة ولاية مصرية بعد أن كانت مستقلة، وعين عليها مأمورين من طرفه. وتوفي بدون أولاد ذكور فورثه أخوه طوطوميس الثالث، ولكونه قاصرا قامت أخته حعتشبسو بالنيابة عنه.

ذكر الملكة حعتشبسو:

وتسمى أيضا الملكة حتزو، ولما تولت الملك شرعت في تشييد هياكل ومباني سمتها باسمها، وحافظت على الوجه القبلي والبحري، وأخذت الجزية من سكان سوريا الشمالية، وحاربت بلاد «بون» بجنوب بلاد العرب المشهورة بالأخشاب والذهب والفضة والعطريات؛ وذلك لتوسيع مملكتها؛ ولهذا الغرض عملت في البحر الأحمر مراكب حربية وانتصرت عليهم، ويرى على حجر بالدير البحري «بالصعيد» أشكال السفن الحربية تشحنها رجال الأعداء منقادين بالحيوانات الغريبة كالظرافات والقردة والنمور، ومن جهة أخرى يرى أنواع الأسلحة وسبائك الذهب والنحاس، وسفن أخرى تحمل صناديق أنواع الأشجار والعطريات المضمخ أسفلها بالطين؛ لغرسها بمدينة طيبة. ومن أعمالها المسلتان الموجودتان بأطلال الكرنك، ولم تزل إحداهما قائمة الآن وعليها كتابة بالهيروجليفي معناها أنها عملت هاتين المسلتين لبقاء ذكر والدها «طوطوميس الأول»، وكان على رأس كل مسلة إكليل هرمي الشكل من الذهب المغتنم من الأعداء، فلما بلغ أخوها رشده أشركته في الحكم معها إلى أن ماتت.

ذكر طوطوميس الثالث:

لما تولى هذا الملك محا آثار أخته يريد بذلك محو اسمها من الدنيا، وهذا الملك هو مصباح تاريخ مصر، ولما جلس على سرير الملك شرع في إخماد نيران الثورة الناشئة بأرض الشام، وهزم أعداءه في واقعة حربية عظيمة في مدينة مجدوا المعروفة الآن باسم «مجدلة» بالقرب من جبل الكرمل، وسار على طريق أبيه «طوطوميس الأول» لقتال الأعداء، وعبر نهر الفرات وجبال أرض الجزيرة «أو الميزو بوتاميا»، ويقال لها أيضا جزيرة ابن عمرو، ودخل في مدينة «نينوى» وهو مظفر منصور، واستولى عليها كما استولى على غيرها من البلاد العظيمة، ومما يؤيد ذلك ما وجد منقوشا على لوح حجر بمعبد الكرنك، وهو محفوظ الآن بدار التحف بالجيزة، يتضمن أخبار وقائع هذا الفاتح وغزواته، يعرف الآن باسم لوح الكرنك الإحصائي، وسمي بذلك لأنه اشتمل على بيان عدد قتلاه وأسراه في كل واقعة حربية، ثم استولى على أغلب جزائر بحر الروم بمساعدة سفن الفنيقيين «أهل صور وصيدا»، ويستفاد من اللوح المذكور فتحه هذه الواقعة البحرية، ففيه أن أسطوله بعد ما أخضع جزيرتي قبرص وكنديا «كريت» توجه لغزو جزائر الأرخبيل الرومي، وبعد ما فاز بالنصر التام عليها ملك قسما عظيما من بلاد اليونان وآسيا الصغرى، والمظنون أنه أدخل تحت طاعته سواحل جنوب إيطاليا، ويفهم منه أنه أخضع سواحل ليبيا وأدخلها تحت الطاعة. وقد بلغت مدة حكمه 54 سنة، وله كثير من الآثار الباقية الآن في كل من مدينة هليوبوليس «المطرية» ومنفيس «ميت رهينة»، ولقصر أبي الحجاج وجزيرة «إلفنتين» بأسوان التي بها القصر المشهور الآن باسم «قصر أنس الوجود»، وجميع ذلك يشهد له بسمو القدر وعلو الشأن.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصرص ١٣