تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

1: 277

وهو يقسم أنه لا هو يدري ولا عالمه يدري - مطلقا:

آليت ما أدري ولا عالمي

من كوكبي في الحندس الداجي

1: 174

وقد قدر ألا تسير الأمور ولا تختبر، فتلك طبيعتها:

الليل والإصباح والقيظ وال

إبراد والمنزل والمقبره

كم رام سبر الأمور من قبلنا

فنادت القدرة: لن تسبره

1: 301

والرأي عنده ما قال (في الفصول 271)، والعقول ضالة في ملك الله أشد ضلال. •••

ولكن أهذا هو العقل الذي بلغ لدى أبي العلاء من الشأن ما بلغ ومجده هذا التمجيد كله ...؟! نعم، إنه ليس سلس القياد وهو غير عليم ينقاد حينا وينفر حينا:

وأشعر أن العقل يصحب تارة

وينفر أخرى وهو غير عليم

2: 255

وأن الطبع يحاربه فيفله، كالشمس يسترها الغمام وظله:

يتحارب الطبع الذي مزجت به

مهج الأنام وعقلهم فيفله

ويظل ينظر ما سناه بنافع

كالشمس يسترها الغمام وظله

2: 160

وها هم أولاء الناس لم يغنهم طول إعمال عقولهم:

وقد أعمل الناس أفكارهم

فلم يغنهم طول إعمالها

2: 213

إذن فهي سفسطة، وليس ما أصلوه من أصول إلا وهما توهموه:

كبار أناس مثل جلة سائم

يربون أطفالا كما ارتضع البهم

توهم بعض الناس أمرا فأصلوا

يقين أمور بات يتبعها الوهم

2: 219 •••

هكذا قال المعري في مسألة المعرفة: فمن أي المفكرين نعده ...؟

هل نعده في السفسطائيين؛ لأنه نفى المعرفة وأقسم على نفيها، ونفاها في الدينيات والدنيويات وفي الغيب والشهادة ؟ لا، لن نعده في السوفسطائيين؛ لأن المتفلسف السوفسطائي رجل يطمئن إلى عجز العقل عن المعرفة، ويلتزم ذلك ولا يحيد عنه، فلا يبتغي الحقائق ولا يلتمس القياس ولا يجعل العقل ندا، وصاحبنا - على ما سمعنا - قد أثبت إمكان الوصول إلى الحقيقة وعدد وسائطها، وشاد بذكر العقل على نحو ما رأينا، وأكثر في ذلك كله إكثارا واضحا ...

فهل نعد المعري لا أدريا شكاكا؟

18 ... لا أيضا، لن نعده في الريبيين ... لأن المتفلسف اللاأدري رجل لا يرى طريقا للتثبت ولا سبيلا للاستيقان، ويلتزم ذلك فلا يستيقن حينا ما، ويأتم بالعقل حينا ما، كما فعل أبو العلاء وشهدنا ما قال في ذلك ...

هلا نعده عقليا؛ لأنه رفع من شأن العقل هذه الرفعة وجعله نبيا، وابتغى علم الغيوب بالظن والتجربة ودفع الحيرة بالاستدلال ... و... وإلخ مما قدمنا قريبا؟ ولكن لا أيضا، لن نعده في العقليين؛ لأنهم ثابتون في مكانهم، لا يثبون من طرف إلى طرف بين يوم وآخر، ولا يرون العالم مجموعة غير قابلة للتعليل حتى في مرارة المر وحلاوة الحلو وفي القيظ والإبراد، ولا يقرون سيطرة الشك واضطراب النواميس وحكم القدر بألا نسبر الأشياء ولا نختبر، كما سمعنا أبا العلاء ينادي ...

فماذا يكون أبو العلاء إن لم يكن سفسطائيا ولا شكاكا ولا مستيقنا؟

هذا سؤال نرجئ الجواب عنه الآن ... نرجئه حتى نفرغ من الإجابة عن سؤال أسبق منه، وهو:

هل لأبي العلاء آراء ثابتة؟

أمن الممكن أن يكون أبو العلاء قد تنقل في مسألة المعرفة هذا التنقل ولكنه فيما وراء ذلك - من أبحاث الفلسفة في شئون العالم والإنسان - قد التزم آراء بعينها وثبت عليها حياته كلها أو دهرا منها؟ هذا ما نريد النظر فيه.

ولا نقصد من ذلك إلى مشكلات الإلهيات ومغيباتها ولا معقدات الرياضيات وغوامضها، وما إلى ذلك من دقائق الفلسفة، نلتمس فيها للمعري رأيا ثابتا ... بل نؤثر أن ننظر في الفلسفة العملية من الشئون الإنسانية التي تمس حياة الرجل من حيث هو إنسان مفكر، لا بد أن يتأثر سلوكه بتفكيره كما هو الأصل في الفيلسوف دائما ... وعلى هذا سننظر فيما عرف وشاع من زهد أبي العلاء وتحريم الحيوان ومجافاة المرأة وكراهة النسل، وما إلى ذلك، نتتبع فيه رأيه واحتجاجه، ونرى مقدار ثباته على رأيه والتزامه له، ومتى وكيف كان منه ذلك ...؟

زهد أبي العلاء

وننظر إلى الزهد والنسك بعامة، فنسمع أبا العلاء يقول ناثرا: «انسك وفي مشيك فسك - امش هونا - فعل جائع وجد فترك لا مضطر أكل فأبرك، وأعان الله رجلا كالعود الهرم لا حلب عنده ولا طلب.»

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٧