تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعقب ذلك بما يستوفى في الكلام عن رأيه في الدين، وهو لا يقف عند مهاجمة الخبر الديني وحده بل يجاوز ذلك إلى الخبر كله، ويرى الافتراء عملا متوارثا في الناس:

وجدت أباك مفتريا حديثا

فأنت على مقص الشيخ تفري

3: 324

وتنتهي به تجربته إلى ألا يصدق خبرا:

لقد جربت حتى لم أصدق

حديثا عن قريب مدى نقيلا

2: 174

فيخرج الخبر من أن يكون عنده سبيل معرفة؛ إذ يقول:

لم تعطنا العلم أخبار يجيء بها

نقل ولا كوكب في الأرض مرصود

1: 201 •••

وندع الخبر إلى القياس الذي سمعت تقريره له، فإذا هو يبغيه فلا يستطيعه:

قد نفضت السهام أبغي المقايي

س فلم يثبت الرمية نفضي

2: 62

وإذا المقاييس قد عيت بأمور الناس:

لعمري لقد أعيا المقاييس أمرنا

فحندسنا عند الظهيرة مظلم

2: 221

وإذا هذا القياس لم يثبت للناس شيئا:

رموا فأشووا ولم يثبت قياسهم

شيئا سوى أن رمي الموت تسديد

1: 203

وهكذا هو يتهم قياسهم:

وقد بالغوا في قياس بان زخرفه

يوهي العيون ولم تثبت له عمد

1: 197

وهو لا ينكر قياس الناس لخطئهم فيه؛ بل لأن القياس نفسه عمل خاطئ؛ إذ إن أحكام الحوادث لا تقاس:

غنى زيد يكون لفقر عمرو

وأحكام الحوادث لا يقسنه

2: 297

وليست هناك نواميس ثابتة ولا أصول لهذا النظام مضطردة، فالقياس ضلال:

تروم قياسا للحوادث ضلة

وتلك أصول ليس يجمعها حصر

1: 247 •••

ولعل هذا التضليل للقياس لم يجئ إلا متأخرا، وقد سبقته مراحل أخرى نستخلصها في سهولة من شعره؛ فأبو العلاء يتشوق للمعرفة التي سمعنا إلحاحه في تقريرها، فهو يقول متلهفا في وصف الإنسان:

ويجهل حتى يسأل الفلك الذي

يدور عليه كيف بدء مداره

يحاور نجم الليل جهلا كأنه

على طول نأي طامع في انحداره

1: 310

وهو يجد الحق في دار حريزة يطوف بها متلصصا، ولا يفيده التطواف في سبيل الحق شيئا، بل هو في حندس مظلم لم يلف من يهديه إلى معلم:

طوفت في الآفاق عصرا فما

أسفرت من حندسك المظلم

سألت أقواما فلم تلف من

يهديك من رشد إلى معلم

2: 270

والجهل أغلب على الناس:

والجهل أغلب غير علم أننا

نفنى ويبقى الواحد القهار

1: 274

فهو يصرخ من الحيرة، فيقول ناثرا: يا مقبس، ويا مقتبس، إن أمرنا لملتبس.

12

ويقول: وبعلمه - أي الله - أرخيت السجوف دون المنجوف - المستخرج - وثبت القتر في الكتر

13 - أي النصل في السنام - وهكذا فالعالم حائر:

عالم حائر كطير هواء

وهواف تضمها الدأماء

14

1: 43

كأننا في قفار ضل سالكها

نهج الطريق وما في القوم خريت

1: 130

تحيرت العقول وما أساءت

دوائب في التقى متهجدات

1: 134

فالنفس قد شكت في يقين الأمر:

والنفس شكت في يقين الأمر وال

كفان إن رمتا قنيصا شكتا

1: 143

وكأنما ساد الشك عصره كله لا هو وحده:

وقد عدم التيقن في زمان

حصلنا من حجاه على التظني

2: 317

وما العلم إلا ظن فحسب:

ومن عجب دعواك علما وحكمة

وعلمك شيء قيل بالظن أو حزي

2: 368

بل قد اختلط العالم فلا تطلب لبابا صريحا:

ولا تطلبن اللباب الصريح

فقد سيط عالمنا وامتزج

1: 276

وهكذا ينفي أبو العلاء اليقين:

أما اليقين فلا يقين وإنما

أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا

2: 28

نعم، إنه ينفي يقين علمه بالغد في هذا الموضع الأخير، فهل تراه لا ينفي اليقين إلا في الأمور الغيبية، ولكنه لا ينفيه في عالم الشهادة ولا يبسط ظل الشك على هذا العالم ...؟

15

إن حسبت ذلك فاستمع إليه؛ إذ ينفي العلم في الظواهر الطبيعية وتعليلها فيقول:

لا يعلم الشري ما ألقى مرارته

إليه والأري لم يشعر وقد عذبا

16

سألتموني فأعيتني إجابتكم

من ادعى أنه دار، فقد كذبا

1: 82

وإذ يعلن أنه لم يلق جوابا لسؤاله عن الحقائق - مطلقا - إلا حرف جحد:

سألت عن الحقائق كل قوم

فما ألفيت إلا حرف جحد

1: 231

فعنده أن لا سبيل إلى المعرفة:

ليل بلا نور أجن بمهمه

حبس الأدلة ليس فيه منار

1: 276

والناس في تيه بلا أمر

والله يفصل عنده الأمر

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٦