أما إني من هذا الطريق النفسي الواقعي أطمئن إلى أن صاحبنا قد منعه من الزواج مانع مادي، وأنه أحصر عن الزواج إحصار المحرم بالحج عن أداء الشعائر، ولكني لا ألقى غيري بهذا، إلا على أنه فرض في فهم هذه القطع من الشعر، وهاتيك الإشارات البعيدة والقريبة من النثر، فرض أضعه بين يدي الدارسين، ولهم رأيهم في قبوله أو رفضه، رغم اطمئناني أنا إليه كما اطمأننت إلى رد صنيع أبي العلاء كله في الحياة إلى أسباب واقعية قضت بها حاله الجسمية، ونفس مقيدة بهذا الجسم، وهي فيه أسيرة وبه لا بغيره تصول.
على أني حين أترك للدارسين رفض هذا الفرض أو قبوله، يدفعني حظي من الاطمئنان له إلى أن أدعو الدارسين من النفسيين إلى تكملة إيضاح هذه الحال النفسية، وتبين سائر آثارها بعدما بدا فيها من أثر الآفة الظاهرة، ثم آفة الغريزة الخفية على البصراء، فإن هذه الأحوال من شخصية الرجل لتفتح آفاقا فسيحة من البحث النفسي، وتلقي على فنه أضواء لا بد منها لفهمه. بعدما رأينا منه المثل القوي الواضح لضرورة فهم الأدب ذلك الفهم النفسي.
وأخيرا في سبيل تحديد القول وضبط الفكرة، أجمل خطوات هذا الرأي فأبين في إيجاز أني:
قلت آنفا (1)
إن أبا العلاء قد استمر الحديث عنه يتجدد، وهو كقوله: خليق بأن يكرر ليفهم، فحاولت فهمه، على أن يكون عملي في ذلك مثلا من الفهم النفسي للأديب وأدبه، وتبعت في ذلك ما اشتهر على الأعصر، من نعته بالفلسفة، فالتمست رأيه في أصول التفلسف، ومسألة المعرفة، ثم في آراء الفيلسوف الثابتة التي أقام عليها مذهبه، فكانت النتيجة: (2)
أن أبا العلاء لم يترك في مسألة المعرفة، ومنهج التفكير شيئا لم يقله، كما لم يقف في ذلك عند رأي بعينه، بل ذكر من ذلك كل متقابل ومتخالف، فتركت مسألة المعرفة إلى آرائه ألتمس ما ثبت منها، واخترت ما يسمى بالفلسفة الإنسانية لبعدها عن الغموض والاضطراب، ولأنها ناحية تأثير الفلسفة على سلوك الفيلسوف، ولأن مفلسفيه يذكرون اهتمامه بشئون الحياة الإنسانية، فتبين من النظر في ذلك: (3)
أن أبا العلاء تتقابل آراؤه في كل شيء من الدين والدنيا، ومن شئون السلوك الإنساني كله حتى ليمكنك وضع ثبت من ذلك بمتقابلات معانيه، يساير فيه التيار الموجب تيار سالب. ومن هذا استطعت أن أقول: (4)
إن أبا العلاء من حيث المعرفة أو المذهب الفلسفي لم يعين شيئا تستند إليه فلسفة، ثم تبين إلى جانب ذلك أنه لم يترك التفلسف فقط، بل كانت له اتجاهات تخل بالمنهج الفلسفي إخلالا واضحا؛ فقد حدد مقدرة العقل، وقرر وجود الأسرار التي لا ترام، ونفى ثبات النواميس واطراد السنن الكونية، وترك الكون للمشيئة المطلقة، وليس كذلك يقول، حتى الدينيون المحدثون، كما بينت في نفي الفلسفة عنه والإخلال بمنهجها، نواحي أخرى متعددة.
وإلى هنا تعين ألا تفهم آثار أبي العلاء بمنطق الفلسفة المنظم للتفكير العقلي، وبقي أنه متفنن، أديب، لعله تبع منطق العاطفة، وهدى الوجدان، فوجب أن نفهمه فهما نفسيا تدل فيه حالة النفس على ما اتجه إليه إحساس الرجل، وما وجده من وقع الحياة على روحه لا على عقله، وفي معاناته المنطقية التفكيرية. ومن أصول هذا الفهم النفسي: (5)
أن أبا العلاء من حيث هو إنسان خاضع للنواميس النفسية العامة تترك حاله الجسمية فيه أثرها، أو آثارها النفسية، والرجل ذو آفة شديدة الوقع، فلا بد أنها تركت فيه أثرا في تناوله وتفننه وتصرفه. والناموس العام للناقصين والمحرومين هو: فعل مركب النقص أو عقدة العجز في نفوسهم، وأبو العلاء منهم، فلا أن يكون لهذا الناموس مظهره في حياته، وبالاستعانة بأقوال أبي العلاء نفسه وخواطره الخصبة الوافية والتي دونها، تبين: (6)
أن أبا العلاء قد كانت حياته استعلاء متصلا، وتعويضا متلاحقا؛ إذ مر بدورين واضحين في فهمه هو لنفسه، ووصفه لشئون حياته في آثاره التي بلغت حد الاعترافات الصريحة المفصلة الدقيقة الصادقة. وبملاحظة هذا الناموس يمكن تفسير وقائع حياة أبي العلاء، ويتجلى مراده مما يقول نثرا وشعرا. ومن كل أولئك يصدق حكمنا عليه بصحة فهمنا له، فعرضت لفهم أبي العلاء من قوله المتقابل وفعله المسير بالمؤثرات النفسية، فتبين من ذلك: (7)