تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفن أبي العلاء هو دائما مادة هذا الاختبار وأداته؛ لأنه فن دقيق صريح صادق عميق. وعند هذا الاختبار نجد في أدب صاحبنا ذكر سر أو أسرار في حياته ، قد تكون أسرار الكون والمعرفة أحيانا كما يحتمل من قرب أن تكون أسرارا من غير هذا الصنف، ومن حديثه في الأسرار التي لا يبدو أنها أسرار الكون وخفايا الحقائق، مثل قوله:

ولدي سر ليس يمكن ذكره

يخفى على البصراء وهو نهار

1: 275

فما هذا السر يا ترى؟ إنه يذكره في سياق الحديث عن بني آدم وولادة أمهم إياهم عاركا في غير طهر، كما سيتحدث بعد بيتين اثنين من ذكر هذا السر عن الغريزة المسيئة وزجرها، مريدا بها تلك الغريزة الجنسية، لقوله:

فازجر غريزتك المسيئة جاهدا

واستكف أن تتخير الأصهار

فهل يرجح هذا الجو العام للحديث أن الحديث عن سر يتصل بهذه الغريزة؟ وإن كان يقول عقب السر مباشرة:

أما الهدى فوجدته ما بيننا

سرا ولكن الضلال جهار

فإن هذا السر من الهدى غير ما في سياق الحديث العام، ومع هذا فترجيح أن السر الأول هو سر الغريزة لا بعد فيه.

وتسمع من حديثه في الأسرار قوله:

طوي عنك سرا صاحب قبل شيبة

فلما انجلى عنه الشباب جلاه

2: 336

فهو قبل هذا ببيت واحد يتحدث عن حمار الوحش يفتك به القدر فيطلق عرسه كارها، ثم يأمر في البيت الذي قبل حديث السر، بعدم الاستسلام لهم النفس، كما يأمر في الشطر الثاني بالإدلاج إذا ما نام الركب، وبعد هذا يذكر حديث السر المطوي قبل الشيب، والمجلو بعد انجلاء الشباب، وقريب من السياق، ومن ألفاظ البيت أنه سر يتصل بالغريزة المذكورة. ومن الممكن حقا أن يكون سر الزواج، فتضم إلى هذا قوله حين يتحدث عن حياته، وأنه فيها سامري يقول: لا مساس، كما قال السامري في بني إسرائيل، وذكره السر في هذا المقام بقوله:

ولم يطل سامري حديثي

بل عشت في الدهر سامريا

لو علم العاذلون سري

لأصبح القوم عاذريا

2: 362

فهو سر الوحدة وسر السامرية التي تقول: لا مساس، وهو سر يعذر من يعرفه في هذه الوحدة والسامرية، فهلا يرجح هذا أنه سر ترك الزواج، أو سر الغريزة كما قلنا؟ أحسب أنه ترجيح مقبول على أنك لو جمعت إلى هذا مثله من قول الشيخ لوجدته يزداد جهرة، فهو في صراحته التي عهدناها، وشجاعته التي كثرت شواهدها، وفي دقته التي أودع بها خواطره آثاره الفنية، يقول ما هو أكشف وأبين؛ كقوله:

ولم يلق في دهره أجربي

هواني فلينأ عني هواني

17

وعندي سر بذي الحديث

كنت عنه في العالمين الغواني

2: 328

فما السر البذي الحديث الذي تكني عنه الغواني في العالمين؟ أليس هو السر الذي ليس يمكن ذكره كما قال، وهو السر الذي يخفى على البصراء لا يعرفونه، وهو نهار في آثاره ونتائجه، كما وصفه أيضا هو هو غالبا. والسر البذي الذي لا يمكنه ذكره، والذي تكني عنه الغواني في العالمين، والذي هو خفي على البصراء، هو سر الغريزة فيما ترجح مطمئنا، هو سر الإحصار عن الزواج، هو السر الذي يزيده كشفا قوله في البيت التالي لما سبق:

إذا رملة لم تجئ بالنبات

فقد جهلت أن سقتها السواني

18

فلم يكن إلا جهلا أن يتزوج، وهو كالرملة التي لا تجيء بالنبات. ولعلك تجد شواهد في فن الرجل الصريح على هذا السر، وإن لم يذكر فيها لفظ السر، كأن تسمعه يقول ناظما:

وهممت أن تحظى ولكن طالما

خذلتك عن نيل المراد خواذل

2: 159

ويقول ناثرا:

19 «أحب الدنيا وآلتها ليست في، وقد يئست من بلوغها واليأس مريح فإلام التشوف إلى الضلال؟» فهل صدق أحد الناس حديث نفسه في حب الدنيا والتشوف إلى ضلالها كما صدق أبو العلاء الصريح؟ أحسبه بهذا الصدق نفسه قد صدقهم الحديث عن حظه من الغريزة حتى ما كانوا في حاجة بعدها إلى أن يرجموا بالغيب، ويذهبوا مع الفروض، ويتركوا مع ذلك كله حديث الرجل عن واقعه وتقديره الصحيح لصلة الجسم بالنفس، «وأن استقامة العالم لا تكون ولذة الدنيا منقطعة»، كما يقول هو:

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٥٠