تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن أبا العلاء تقنع وصبر على رغبة في الحياة ملحة. فليس هو فيلسوفا متقشفا، ولا زاهدا قد غلب نفسه، بل هو محروم مترفع. (8)

أن أبا العلاء لم يستطع أن يعتزل الناس لبقية حبه الحياة، وعنائه بالحالة النفسية التي قاساها طول حياته بفعل الناموس النفسي. (9)

بقي النظر في موقفه أمام المرأة والنسل، وقد حق علينا فهمه كذلك فهما نفسيا بعدما تعين أن هذا هو طريق الفهم السليم، فتبين من النظر في فنه ذاته. (10)

أن أبا العلاء - فيما أرجح - قد منعه من الزواج والنسل مانع جنسي غير الفلسفة والزهد، ولهذا المانع أثره الخطير في نفسية الرجل، كما كان لآفته المادية أثرها، ودارسو النفس الإنسانية خلقاء بأن يزيدونا فهما لأثر هذا المانع في نفس الرجل. وبعدما تبين أنه ليس فيلسوفا ولا خاضعا للمنطق العقلي، وبعد الذي رأينا من معونته الصادقة القوية لنا على فهم نفسه من آثاره الصريحة الجريئة الصادقة؛ أدركنا في جلاء: (11)

أن أبا العلاء رجل وجدان، دقيق الحس، عميق الإدراك، صادق التعبير جدا، جريء التعرض للمعاني والخواطر، كاد يكون - أو قد كان فعلا - في الأدب العربي هو الرجل الذي وجد نفسه، وتحدث عن نفسه أدق حديث وأرهفه حسا، وأعمقه تأملا، لم يدع نفسه قيثارة لإطراب الآخرين، ولا قصبة تصفر فيها رياح أهوائهم، وأكاذيب مجدهم.

وإني بعد هذا الاتصال الطويل، والتفهم المتأني لأبي العلاء أقول:

سلام على أبي العلاء بين ذوي النفوس الصادقين.

سلام على أبي العلاء بين العظماء من المتفننين.

سلام على أبي العلاء بين الأدباء الخالدين. •••

وإذ انتهيت إلى مثل هذا من الرأي في أبي العلاء؛ فقد حق علي أن أقول لأصحاب الأدب وتاريخه: (1)

هذا أبو العلاء في الضوء النفسي، فأعيدوا النظر في كل ما قررتم عن تفلسفه، وتدينه، وزهده، وحياته ... إلخ. وأصدروا في ذلك كله أحكاما أصح وأدق وأصدق ... ثم أقول لهم: (2)

إن أبا العلاء بقوة نفسه قد قدم لنا فنا صادقا، أعطانا الفهم النفسي له مثلا واضحا لما تجديه الدراسة النفسية للأدب وتاريخه، من دقة وصحة في تذوق الأدب، وتفهم الحياة الفنية، بل الحياة الخاصة لأصحابه، وتأريخ ذلك كله تأريخا محققا، لا تقليد فيه، ولا تضطرب أحكامه باضطراب أهواء الناقلين، أو خطأ مناهجهم حين كان يعوزهم التحليل، وتخدعهم الظواهر . وبهذا المثل تبين لنا أنه ينبغي أن ندرس أدباءنا جميعا دراسة نفسية، وإن شق ذلك علينا، وخفيت معالم طريقنا إليه؛ لأننا بدون هذا الفهم النفسي، والتصحيح الضروري لمنهج درس الأدب لن نتذوق هذا الأدب، ولن يصح لنا حكم ناقد، ولن نكتب مع ذلك التاريخ الصحيح للأدب.

فاعملوا - يا قوم - جادين على رفع القواعد من المدرسة النفسية في درس الأدب وتاريخه، وإنكم إن شاء الله لعاملون.

أمين الخولي

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٥٢