تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1: 333

ولو اطمأننت إلى أثر الشعور النفسي في قوله؛ لوجدت في غزله ووصفه مثل الذي تجد في ذمه لهن، وفقده إياهن من الدلالة على الشعور بهن، بل على الاتجاه إليهن؛ ولذلك مثل غير قليلة، حتى في حديثه عن التسبيح والتمجيد حين يطلب أو يغري بالأجر عليه، فيذكر أنه يوصل لرضاب الحور، ويقول في الفصول:

11 «ومن مزج رضابه بذكر الله لم ييأس من رضاب الحور.»

على أنك ستقرأ في نثره من أسفه وتشهيه ما هو جلي واضح؛ كقوله:

12 «الشبيبة أضعت الحبيبة، فكيف ورأسك خليس؟ سوداء مختلطة ببياض ...» وقوله

13

مخاطبا الله تعالى: «إن تصوير ابن آدم لعجب بديع، ما أقدرك على تغيير ما نحن فيه، إن أردت التبديل، لا أكتمك ما أنت به عليم، إن أسفي على الدنيا لطويل، نفد عمري وغيري المصيب، رأسي أسحم، ولذاتي شيب.» وإذ يقدر اللذة وعمارة الدنيا بها في مثل قوله:

14 «... وقول الحق أفضل من السكوت، واستقامة العالم لا تكون ولذة الدنيا منقطعة، وخبر الميت غير جلي ...» ولو ألممت ببكائه الشباب، والتبرم بالمشيب، وما يتصل بذلك، لأوفيت على كثير من الاتجاه إلى المرأة. ولهذا كله درسه المستقل المفرد، وحسبنا هنا تقرير أن أبا العلاء متجه إلى المرأة، شاعر بالفطرة البشرية، متنبه إلى الحاجة الإنسانية، فلماذا أمسك عن الزواج إذن؟

إن الرجل لم يترك هذا السؤال بغير جواب؛ فقد تحدث فنه عنه غير قليل من الحديث، وقد أشرنا أيضا إلى بعضه فيما مضى من حديث عن المرأة واختلاف رأيه فيها، وبقي من ذلك ما لو أحطنا به وتأملناه، فلعله موف بنا على تعليل ترتاح إليه النفس أكثر من قول القائلين بالتفلسف، وتحريم النسل، وما إلى ذلك من فروض تركوا فيها واقع الرجل، وأهملوا دراسة فنه، ثم راحوا يتحدثون عن كل أولئك من أمره، بعيدين عنه، غير متصلين به.

تحدث أبو العلاء عن زواجه في مثل قوله:

أنا للضرورة في الحياة مقارن

ما زلت أسبح في البحار الموج

وصرورة في شيمتين: لأنني

مذ كنت لم أحجج ولم أتزوج

1: 173

وقوله:

أسير عن الدنيا وما أنا ذاكر

لها بسلام إن أحداثها حمس

15

صرورة ما حالين: ما لكعابها

ولا الركن تقبيل لدي ولا لمس

ولم أرث النصف الفتاة ولم ترث

لي الربع بل ربع تطاول أو خمس

16

2: 11

فهو مع حديثه في هذه الأبيات الأخيرة عن التقبيل واللمس والحرمان والشدة يجمع بين الحج والزواج في أنه صرورة عنهما، كما قال في البيتين السابقين (صرورة)، و(مقارن للضرورة)، فلأي ملاحظة جمع بين الحج والزواج وحرمانه منهما هذا الجمع؟ إنه يجمع بينهما أيضا في حديثه عن غيره كما جمع بينهما في حديثه عن نفسه، فمن قوله في غيره:

قد يحج الفتى ويغنى بعرس

وهو من صرة اللجين صرورة

1: 303

فلأمر ما هذا الجمع بين الحج والزواج؟ أهو يقدر فيهما الاستطاعة والمقدرة المالية بملك صرة اللجين، وهو لا يملك شيئا؟ ربما كان هذا هو سبب الجمع بينهما، ويرجحه قوله بوضوح في الحج:

لا ملك لي وأرى الدنيا تحاصرني

وما حججت وقد لاقيت إحصارا

1: 297

وهذا الإحصار الذي يذكره، اصطلاح فقهي، يريدون به المنع من الحج بعذر قاهر من مرض أو عدو يحول بين الشخص وأداء الشعائر، وهم يعقدون له فصلا خاصا في كلامهم عن الحج، فهل ذكر هذا الإحصار يفسر المعنى الذي جمع من أجله صاحبنا بين الحج والزواج؟ إن أبا العلاء قد يكون محصرا عن الحج بضعفه وعجزه؛ إذ هو مستطيع بغيره - كما يقول - لا بنفسه، وهو لا يجد نفقة السفر له ولخادم يعينه، ثم هو في كبرته قد انضم إلى أسباب إحصاره أيضا، الضعف الذي لعله لا يستطيع معه السفر، فهل منعه من الزواج أنه غير مستطيع المهر والنفقة؟ إنه يتحدث عن الحج والعجز مرة أخرى في قوله:

ولم أقض حجا في منى وبلادها

وكم عاجز قد زارها متنفلا

2: 168

فقد تكون في هذا القول إشارة ما إلى عجزه عن الحج. وجملة هذه تلفت النظر - في غير بعد - إلى أن الشيخ قد عجز عن الحج والزواج أو أحصر عنهما كما يقول ما دام يجمع بينهما هذا الجمع أكثر من مرة، وهي نتيجة لا بعد فيها، ومقدماتها تعطيها من قرب، فبقي أن نعرف سبب إحصاره عن الحج والزواج؟ أهو المال وعدم وجدانه؟ أم هو شيء آخر؟ وهل سبب الإحصار واحد فيهما؟ لقد كان العجز المالي سببا واضحا في الحج؛ لأنه رحلة ونقلة تتطلب نوعا من القدرة، وتلزم بمزيد من المال لا يمكن معه قضاء الأمور - كما في الإقامة - بما يتيسر. ولكن العجز المالي في الزواج ربما لا يظهر سببا للإحصار لما قدمنا من أن أبا العلاء كان يعيش مع تابع ولا بد، فلو كان هذا التابع فتاة، أو امرأة كيفما كانت لم يزد عليه بذلك شيء من المال. بل لعل أبا العلاء كان يجد فيها معونة على المعيشة بدخله اليسير، لا يجدها بدونها مع الخادم الرجل. ولم يكن يعجزه أن يجد كريمة فقيرة تشاركه هذه الحياة الخفيفة الحاجات المحدودة المقدرة. ومن ذلك وما إليه نستطيع الاطمئنان إلى أن العجز المالي ليس سببا قويا للإحصار عن الزواج، ومن الدقة أن نمضي في التماس سبب آخر. وقد وجدنا في الحج سببين للعجز، هما المال، ثم ضعفه إلى حد ما. وقد بعد - إلى حد ما كذلك - أن المال من أسباب العجز عن الزواج، فبقي أن هناك سببا آخر، فهل هو ضعف عن الزواج؟ وهل في المسألة اعتبار جسمي جنسي له دخله في هذا التصرف؟ لا بعد في أن يكون ذلك، وواجب البحث يقضي علينا بالمضي في اختبار هذا الفرض.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٩