تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لجأت إلى السكون من التلاحي

كما لجأ الجبان إلى الفرار

ويجمع مني الشفتين صمتي

وأبخل في المحافل بافتراري

وكان تأنسي بهمو قديما

عثارا حم في شأو اغتراري

يئست من اكتساب الخير لما

رأيت الخير وفر للشرار

1: 327

وقوله:

هويت انفرادي كيما يخف

عمن أعاشر ثقل احتمالي

2: 210

مع قوله:

وما احتجبت عن الأقوام من نسك

وإنما أنت للنكراء محتجب

1: 66

وهو ما تقرؤه في نثره

5

إذ يقول: «نابي تاب، واليد ليست ذات أكناب،

6

فأنا للناس أخو جناب.»

7

ولعلك مستطيع أن تلمح في فشل طلبه العزلة مظهر ما يشكوه من مراودة آماله له مدى الدهر؛ لأن هذه العزلة انطواء على النفس يليق به ويريحه ويستطيع معه الفراغ للعلم والتأليف دون توسع في لقاء الناس، ولكنها النفس الإنسانية تنازعه وهو معها في غلاب، كما قال كثيرا فصدق الناس القول عن نفسه. وأما:

المرأة والنسل

فإن الرجل لم يحاول منهما شيئا، مهما يختلف قوله بشأنهما كما أسلفنا بيانه، وسوق غير القليل من متقابله، ولسنا نطمئن إلى أن الانصراف التام عنهما إنما كان من الرجل فلسفة تذهب إلى كذا وكيت، أو تلتزم ما رأت في ذلك من رأي؛ لأن الرأي كما أمضينا القول لا يتجه وجهة بعينها، والتفلسف لا يؤيده شاهد، بل تنقضه الشواهد، فلأي شيء ترك أبو العلاء حياة الأسرة تركا تاما؟ وهلا كانت نفسه تنازعه فيحاول ولا يصل كما فعل في العزلة مثلا؟ لن يفسر هذا الترك بالنفور من الناس؛ لأنه خالط كما سبق، كما لا أحسبه يفسر بالفقر وقلة المورد؛ لأن هذا الرزق الثابت كان يكفي أبا العلاء وخادمه، فكان يكفيه مع زوج مكان خادم. وهبها الحاجة وضيق ذات اليد، فهل تقوى الحاجة على منازعة نفسه فلا يحاول الاتصال بالمرأة أبدا حتى في عصر نشاطه واستعلائه على ضعفه وجده في سبيل النجاح حينما كان يطمع ويطمح ويقول:

ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل

عفاف وإقدام وحزم ونائل

أما إني منذ تركت الاستراحة إلى تفلسفه وتحريمه النسل فلسفة، وملت إلى البيان النفسي جعلت لا أقف عند هذه الظاهرة من فعل الرجل في ترك الزواج والنسل، بل أسأل نفسي: لماذا جانب أبو العلاء المرأة؟ ومضيت أبحث عن سر أبي العلاء، لم لم يتزوج؟

وللمرأة مكانها في فن صاحبنا مهما يكن القول الشائع عن رأيه في الزواج والنسل، ولقد جاءك من صورته الثانية التي لم يرسمها له مؤرخوه ولا دارسو أدبه ما قرأت في ص78 وما بعدها، من رأيه الحسن في المرأة، وهو - بدقيق حسه وصريح قوله وجريء تعبيره - يعطينا الكثير عن منزلة المرأة في هذا الفن، أو مكانتها في نفس الرجل؛ فقد تغزل غير قليل في شعره الذي يجمعه سقط الزند،

8

وفي هذا الشعر ما يمثل العهد الأول من عهود حياته، وهو عهد الشباب والأمل. ومهما يكن التقدير الفني لهذا الغزل عند دارسه، ومهما يكن الرأي أنه تقليدي، فإنه لا شك يدل على شعور بالمرأة، ومكانها في الفن وهو قدر لا مشاحة فيه. على أنه بعد ذلك في عهده الثاني لم تخل لزومياته الوقورة - بل لم يخل نثره - من حديث المرأة مع الخمر أو وحدها، فوق ما سمعت من ذلك في حديثنا السابق عن رأيه غير الشائع في المرأة؛ وصفا لها، أو حديثا عن حل الطيبات، أو عن الحرمان من كذا وكذا منها؛ كالطيف والرضاب ... إلخ. وإليك طرفا منه:

يا حبذا العيش الأنيق ولم ترم

هدم السرور من الخطوب زلازل

2: 159

ولا قصرت لي أم ليلى بشربها

حنادس أوقات علي طيال

2: 187

ويعجبني شيئان خفض وصحة

ولكن ريب الدهر غير شياني

9

وما جبل الريان عندي بطائل

ولا أنا من خود الحسان بريان

2: 307

خمور الريق لسن بكل حال

على طلابهن محرمات

ولكن الأوانس باعثات

ركابك في مهالك مقتمات

1: 151

بيض دوار للقلوب كأنها

عين بدوار وعين دوار

10

هذي أواري المنازل ما درت

أني أواري في حشاي أواري

أما فواري العين عنك فصادفت

سمعا وأما الوجد منك فواري

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٨