تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحب دنياك طبع في المقيم بها

فقد منيت بقرن منه غلاب

1: 105

فيجهر صريحا بحب الدنيا وغلبة ذلك له، كما يجهر بما اتقى به ذلك؛ إذ أرخصه العصر فأغلى به الصبر، ويرحم الله الشيخ فما أقواه، ثم ما أصدقه، وقد فسر لنا قناعته خير تفسير وأصرحه؛ ولذلك نفهم عنه زهده مع استمرار أمله، بعدما عجز، فهما نفسيا واقعيا، لا تفلسف فيه ولا هو مذهب له، ولا حاجة بنا إلى تكلف كهذا. وفي الذي مضى من قوله المتقابل في هذا الزهد ما يتم به هذا الفهم النفسي ولا نعيده هنا.

ومن هذا الزهد: تحريم الحيوان - وقوله فيه متقابل - على ما رأيت فيما مضى، وفعله فيه مفهوم غير مستعص على هذا البيان النفسي، دون الزيادة عليه ببرهمة أو غيرها من الدعاوى. وأما:

العزلة

فإن الرجل بعدما أعلن عن عزمه عليها ما أعلن في رسالته إلى أهل المعرة وبعدما قال في فضلها ما قال كما قال في ضررها ما قال، (انظر ص88 وما بعدها)، لم يصر منها إلى حال تحوج إلى التعليل الفلسفي أو النفسي؛ إذ لم يلتزمها كما يشهد بذلك من آثاره، مثل قوله:

يزورني القوم هذا أرضه يمن

من البلاد وهذا أرضه الطبس

1

2: 21

وقوله:

وشهرت في الدنيا ومن لي أن أرى

كالنير الفاني مع الإشهار

1: 366

وأخبار القدماء مؤيدة لهذا، كما أن المحدثين يذكرون فشله في طلب العزلة

2

وليس الذي يعنينا أنهم يؤيدون الأخبار الواردة بذلك، وإنما المسألة هي تقريرهم أن هذه العزلة كانت أمنية ضائعة؛ لأن أبا العلاء وإن زهد في كل لذات الحياة لا يستطيع أن يزهد في العلم والتأليف اللذين قد ملكاه واستأثرا به، وكلاهما يكلفه عشرة الناس لاحتياجه إلى من يقرأ له ويكتب عنه.

3

هكذا يفسرون هذا العجز عن الاعتزال، وهو تفسير لا أرتاح إليه؛ لأن التأليف والكتابة يحوجان إلى واحد أو آحاد قليلة،

لا ينفي الاتصال بهم تحقق العزلة والبعد عن الناس! ثم هو في كل حال تفسير احتمالي لا غير. على أنك إن تركت هذا التفسير فإنك لن تترك ما تلاه من القول في بيان أن الرجل - لما سبق - لم يلبث بعد استقراره بالمعرة أن اشتغل بالتعليم فالتف حوله الطلاب. وما هو إلا الزمن القليل حتى كثر سوادهم حوله، ثم لم تمض على هذه الحال أعوام حتى أخذ الناس يزورونه، ويكتبون إليه فاستحالت عزلته إلى أشد أنواع المعاشرة.

4

لن تترك هذا القول دون تعليق؛ لأن الحاجة إلى من يكتب أو إلى من يقرأ لا يترتب عليها أن يشتغل أبو العلاء بالتعليم، ثم يكثر سواد الطلاب حوله، ثم يزوره الناس، ويكتبون إليه فتستحيل عزلته إلى أشد أنواع المعاشرة! •••

إنك لتلمح في صدر هذا الكلام - المبين لسبب فشله في طلب العزلة - إشارة إلى حالته الجسمية وحاجته بها إلى غيره دون مضي في ترتيب أثر آخر على هذه الحاجة، وكان من القريب أن يقدر أثر هذه الحاجة النفسي، فلعله يكشف وجه الرأي والتعليل لفعل أبي العلاء في العزلة. وهذا التفسير - فيما يبدو لي - هو تتمة الذي مضى من بيان أثر الناموس النفسي المعروف على المحرومين والمنقوصين، ويرجع إلى أن الرجل بعد دوره الأول في الاستعلاء على حالته المادية، وبعد فشله في ذلك وخروجه من بغداد، جعل يستعلي على الدنيا والناس، أو قل: جعل يستعلي على غريزته الاجتماعية وهو استعلاء شاق مرهق لا يتيسر النجاح فيه؛ ولهذا أعلن رغبته بل تصميمه على العزلة، ولكن غلبه من نفسه ما بقي فيها من الفطرة الاجتماعية، فلم يتهيأ له الاعتزال، فعلم وألف، ولقي الزوار، وتلقى الكتب. وهذه البقية الفطرية التي لم يتيسر له التغلب عليها هي التي ظل حتى آخر عمره يعترف بدفعها له وتأثيرها عليه اعترافا دقيقا صادقا شجاعا صريحا فيحدث عن حبه الدنيا وميله إلى لذائذها، وأنه لم يزهد فيها ولكنها أخطأته، فتجمل بالصبر مترفعا، وظل يقاسي هذا العناء النفسي الدائم، فيعلن حينا ترفعه عن عشرة الناس وانتقاصهم والنصح بالبعد عنهم، وما إلى ذلك من مختلف معانيه في الوحدة والنفرة، ولكنه لا يعتزل ولا ينفر. ولا يخطئك رغم ذلك من شعره ونثره ما يعطيك هذا التفسير النفسي الملحوظ من الاختلاط ثم الفرار عجزا مع استمرار مراودة الآمال؛ كقوله:

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٧