ونحن قد اطمأننا فيما مضى إلى أن أبا العلاء الذي لا نلمح فيه سمات الفيلسوف - بل نجد منه الإخلال الواضح بالمنهج الفلسفي - إنما هو رجل وجداني، متفنن، قوي الإحساس، دقيقه، صادق التعبير عنه، جريء القول به، قد أعطانا سجلا نفسيا لعوالمه المختلفة، لعلنا لا نظفر بمثله من أديب، سجل اعترافاته بدقة وتفصيل، معلنا قصده إلى الاعتراف، ومصمما على المصارحة، كما اطمأننا إلى أن حياة الرجل كانت - كما يقضي بذلك الواقع الجسمي - خاضعة لفعل الناموس النفسي المعروف الذي تدين الحياة والحضارة لآثاره في أعمال من نقصتهم الدنيا بعض قواهم، فعوضوا نقصهم وسدوا عجزهم، وأن حياة صاحبنا قد تعرضت بذلك للون من الاستعلاء الكابت في دوريها الواضحين، فكان ذلك خليقا بأن ينقل الرجل بين عوالم متغايرة وأجواء نفسية متقابلة يصدق تعبيره المحس الدقيق عنها، فيترك في قوله تلك الآثار الواضحة من التعارض الذي يبدو جليا بينا لمن قرأ أدبه، فوصل بين أطرافه وربط بين أجزائه، ونظر إلى الوحدة المتصلة بين أوله وآخره وبعيده وقريبه. وإذا ما بطل التعليل الفلسفي لبعض فعله أو كله، فقد بقي علينا ولا بد أن ننظر إلى ما يمكن أن يكون لهذا الفهم النفسي للرجل من أثر في فعله؛ لنفهم حياته العملية كما فهمنا حياته القولية فهما ذا أصول ثابتة صادقة، تمدها الخبرة النفسية وتؤيدها المعرفة العلمية، لا فهم نقول ومرويات يعتريها ما يعتري الأخبار دائما من اضطراب وتأثر، ولا فهم فروض ينال منها الهوى والتحكم، وذلك هو تمام ما ندعو إليه في فهم شخصية الأديب فهما يجدي على فهم أدبه، فهما متمثلا متذوقا.
فلننظر أولا فيما عرف وصح نقله عن أسلوب حياة الرجل، فأما:
زهد أبي العلاء
فقد كان في العصر الثاني من حياته يكتفي بدخله القليل لا أكثر، وهو ضرب من الاعتدال المترفع، ليس كالزهد الذي وصفه وأطنب فيه، حينما كان يتجه إلى القول في الزهد. فلا هو ترك الدنيا الترك التام ولا حرم نفسه ذلك الحرمان الشبيه برهبنة الرهبان، وما إلى ذلك مما تراه فيما أسلفنا من حديثه عن الزهد، وهي حال من القناعة، لعلك تراها أيسر ما تحمله عليه نفسيته التي وصفناها آنفا، وإنك لتجد غير قليل من الشواهد على توجيه نفسيته له نحو هذه القناعة والاعتدال أو الزهد إن أبيت إلا أن تسميه كذلك، فهو عاجز عن الغنى، وبخاصة بعد تجربته طوال الدهر الأول من حياته أيام الشباب والأمل، فبقي أن يكون الصبر عنده أروح من تكلف الطلب؛ لأنه يستطيع حمل نفسه عليه، حين يعز عليه سبيل الطلب ووسائله، كما يقول:
الصبر أروح من حاج تكلفه
تزجي له الخيل والمهرية القودا
1: 217
فهو يكتفي بالقناعة عن عظائم لا تبلغ إلا بالجد ويقول:
ويكفيك التقنع من قريب
عظائم ليس تبلغ بالتوني
2: 318
وهو مستطيع أن يخفي مطعمه، فلا يدري أحد ماذا أكل؛ كقوله:
لنفسي ما أطعمت لم يدر آكل
سواي أحلوا جاز في الفم أم مرا
1: 288
وبهذا ومثله من أخذ النفس بالصبر يثري مع فقد المال ويقول:
إذا أثريت من صبر جميل
فأنت وإن فقدت المال مثر
1: 322
وهكذا يثري بالمعالي فيقول:
كثير من تكثر بالمعالي
على ما كان من قل وكثر
1: 322
ويكون العقل الوافر خيرا من المال في قوله:
فإن لم تنل وفرا من المال فاستعن
وفارة عقل فهي أزكى من الوفر
1: 308
وهكذا يستعلي على العجز ويغلي نفسه إذا ما أرخصه الناس، ويسجل ذلك قائلا:
لما رأيت سجايا العصر ترخصني
رددت قدري إلى صبري فأغلى بي
1: 105
وهي قوة نفس لا عجب في أن تكون عند أبي العلاء، وأن يكافح بها ما فاته من قوة وقدرة على الغلاب، ولكن أجل وأكثر من هذه القوة على الصبر، قوته على الجهر وصدق وصفه لنفسه في غير مواربة ولا مداجاة، ويتمثل لك ذلك إذا ما قدرت أن هذا البيت الأخير: «لما رأيت سجايا العصر ... إلخ»، وهو جلي تمام الجلاء في وصف الحال النفسية وناموسها الذي أشرنا إليه وأجرينا حياته عليه. هذا البيت إنما يقوله بعد قوله: