تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أن رجلا عاديا خالصا من هذا الصراع الدائم في نفس أبي العلاء قد راح يدون خواطر نفسه في شعور تام بها، وتتبع متنبه لها، واستيعاب شامل لعوالمها، لمر في الحياة بنواحي مختلفة، تختلف بها خواطره، ولخرج بشبيه لما قاله أبو العلاء يختلف فيه مرحه عن غضبه، وهزيمته عن نجاحه، وفرحه عن حزنه، فكيف بأبي العلاء وهو يتردد بين أمرين أحلاهما مر؛ بل هما مرير وأمر، واقع قاس وإنكار جريء؟

24

فالسر في تناقض أو تغاير آراء أبي العلاء نفسي محض، يرجع إلى أمرين في نفسه، أو إلى ظاهرتين فيه:

أولاهما:

الرغبة المتوثبة في الاستعلاء على ضعفه والقهر لواقعه، وهو ما ساد دوري حياته على السواء.

وثانيتهما:

دقة هذه النفس الشاعرة في إدراك عوالمها المختلفة وخوالجها المتغايرة، ثم يؤازر هذين العاملين انقطاع أبي العلاء لتدوين خواطره وفراغه لذاك وتوافره عليه.

هكذا تغايرت آراء أبي العلاء ومعانيه، دينيها ودنيويها، فنيها وعمليها، بل هو في غير الديني قد يكون أكثر تغايرا أو تقابلا. وهكذا ينبغي أن نفهم آثار أبي العلاء - فيما أرى - فهما نفسيا صحيحا صادقا دقيقا عميقا ممتعا مقبولا على هذا الأساس.

وإذا ما فهمنا أبا العلاء على هذا الوجه، فقد فهمناه من نفسه هو، لا من نفوس دارسيه وقارئيه، كما حصل ذلك في القديم والحديث، وفي الذي سمعت لهم من أحكام وآراء، إن ينهض بها جانب من قوله، قعدت بها جوانب أخرى وجوانب!

فأما في القديم فحيث كانت العناية بالناحية الدينية واضحة في المترجمين له لم يعنوا بتناقضه إلا في المسائل الدينية، فذهبوا يفسرون حاله حينا بالشك وحينا بالإلحاد الذي تاب منه وأناب، وحينا بعدهم ما لم يتفق مع العقيدة مكذوبا عليه كما يعنون براوية أخبار أو منامات دالة على حسن حاله وسعادة مصيره ... إلخ. ما نعرف من الحكم عليه وعلى غيره حكما أخرويا في هذه الدنيا!

وأما حديثا فباتباع بعض المتحدثين عنه مثل هذه الخطة، ولو أخلوا بالمنهج العقلي في الدراسة إخلالا واضحا كالذي فعل من

25

أنكر أن يكون في غير اللزوميات إلحاد، فعمم ذلك فيما لم يره من كتب قائلا: «... ولا إن شاء الله في كتبه مما لم يصلنا، اللهم إلا نزر يسير ...» فحكم على ما لم يصلنا من كتب المعري بحسن الرغبة وطيب الأمل أنها خالية مما يكفر إن شاء الله.

ومن فهمه في نفس دارسيه حديثا ما نقرأ في دائرة المعارف الإسلامية، (1: 382، 83)، من الترجمة العربية، أنه ليست هناك عقيدة إسلامية لم يسخر منها أبو العلاء، وأنه كان يرى الدين من صنع العقل الإنساني، ونتيجة للتربية والعادة، ولم يقبل أية صورة من صور الحياة الأخرى، وكان ينظر إلى الفناء على أنه خلاص سعيد من الحياة ... إلخ!

ولو قرئ أبو العلاء ليفهم من نفسه وفي نفسه، لكان حاله في الدين كحاله في الدنيا، خاضعا لمؤثرات تتطلب التفسير المطرد الصحيح، سواء أكان ذلك التفسير بالناموس النفسي الذي وصفناه أم كان بغير ذلك مما يمكن أن يقوله غيرنا، ما دام تفسيرا قائما على أصل صحيح غير ادعائي ولا تحكمي كما كان ذلك حتى الآن، وإذ ذاك سيكون القول بتفلسف أبي العلاء، وشرح فلسفته أخف مما هو الآن حدة، وأضيق دائرة، وأقل تحكما في فهم حياة الرجل ما دام الدرس قائما على أساس من التجربة الخبيرة بالدنيا والناس.

والآن وقد اطمأننا إلى هذا التفسير النفسي لحياة أبي العلاء الأديب وفهم أقواله على أساسه بقي علينا أن نتقدم إلى بحث آخر هو:

| أبو العلاء بين قوله وفعله

إذ سمعنا مفلسفي الرجل أنفسهم يقولون: إن الفلسفة بحث تخضع حياة الباحث لنتائجه، وناقشناهم في ذلك كله من أمر صاحبهم، (انظر ص99 وما يليها)، بعدما افتقدنا الأصل الفلسفي الذي يقيم عليه الفيلسوف فلسفته وهو مذهبه في المعرفة، فلم نظفر للرجل في هذا بمذهب، وبعدما التمسنا رأيه في شئون حياة الإنسان العملية التي زعموا لأبي العلاء بها عناية خاصة، فوجدناه فيها جميعها ينفي ويثبت، ويأمر وينهى ، ويحسن ويقبح، فلم نستطع من أجل ذلك كله أن نجد لسلوك أبي العلاء العملي أصلا فلسفيا نقيمه عليه ونعزوه إليه. وقررنا بذلك أننا لا نستطيع أن نعزو أسلوبه في الحياة إلى فكرة فلسفية سيطرت عليه؛ لأننا لا نجدها ولا نراه يثبت على شيء منها، فلا نعرف إلى أي قوليه ننسب فعله إن كان له فعل ثابت متسق قد اطرد، وإنه لخليق بنا - والأمر كذلك - أن نعلل أفعاله بغير التفلسف الذي يتبع فيه السلوك النظر ويتأثر الفعل بالرأي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٥