تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المفهوم في هذا الدور وقد اعترف بواقع القدر الملازم أن يقول: العمى عورة والواجب استتاره في كل أحواله. ويتخذ مغارة ينزل إليها ويأكل فيها (الرسائل 130، ط أكسفورد) بعدما كان يقول: إن العمى نعمة.

21

وهكذا تعنون دوري حياة الرجل عبارتاه: العمى نعمة، والعمى عورة. •••

وأبو العلاء نفسه يصف هذا الدور الثاني أيضا في دقة وصراحة وشجاعة، فيقول: أنا لا أضبر - أثب - فهلا أصبر! كما يقول: وما اعتزلت إلا بعدما جددت وهزلت، فوجدتني لا أنفذ في جد ولا هزل، ولا أخصب في التسريح ولا الأزل، فعلي بالصبر، لا بد للمبهم من انفراج، (ف297)،

وليس الصبر بالهين عليه ولا السهل، فهو يقول: لست أخا صبر ولا حليف ضبر، (ف304).

وفي شعره من وصف هذا الدور غير قليل؛ فلقد سمعناه قبل يقول:

لما رأيت سجايا العصر ترخصني

رددت قدري إلى صبري فأغلى بي

1: 105

ويتحدث عن غناه بالقناعة وقعوده إذا طلب الناس:

إذا طلبوا فاقنع لتظفر بالغنى

وإن نطقوا فاصمت لترجع باللب

1: 96

كما يقول:

خلافك بعض الناس يرجى به الغنى

وفي الدهر أقوام خلافهمو حزم

فأفطر إذا صاموا وصم عند فطرهم

على خبرة إن الدواء هو الأزم

22

2: 219

كما يقول أيضا:

ولست من الركب إذ

يعوجون في المعلم

إذا طمعوا فاقتنع

وإن جهلوا فاحلم

2: 274

كما يعترف في شجاعة جديرة بالإكبار أن آفته سبب فيما فعل من رغبة في الاعتزال والبعد عن الناس في مثل قوله:

إذا كف صل أفعوان فما له

سوى بيته يقتات ما عمر التربا

ولو ذهبت عينا هزبر مساور

لما راع ضأنا في المراتع أو سربا

1: 80

كما يجهر عقب ذكر الآفة بقوله:

وما زال نعم الرأي لي أن منزلي

كأني فيه مضمر كن في نعما

2: 242

وهو يسجل الصراع النفسي في دقة شاعرة، ولا يمتنع من الجهر بالواقع كما هو، فلا يأنف من أن يصرح بأنه لا يفعل لنسك بل لتأثره بما أصابه فيقول بعد ذكر المرأة:

ولم تتب لاختيار كان منتجبا

لكنك العود إذ يلحى وينتجب

23

ويعقب عليه بقوله في العزلة:

وما احتجبت عن الأقوام من نسك

وإنما أنت للنكراء محتجب

قالت لي النفس: إني في أذى وقذى

فقلت: صبرا وتسليما كذا يجب

1: 65، 66

ويذكر هواه وتشهيه كثيرا ولوعته على الفوات، ويكرر القول بأنه لم ينسك وإنما حرم، وفي القطعة التالية ترى مثلا لذلك واضحا:

هواك مشابه فرسا جموحا

وما ألجمته فعليك رسنه

ويتحدث عما فاته بقوله بعد:

ولا يعجبك روض باكرته

غمائمه وأغصان يمسنه

ولا الأفواه تضحك عن غريض

فرائد في مدامتها غمسنه

ويذكر كبته لنفسه بقوله:

ألم ترني حميت بنات صدري

فما زوجتهن وقد عنسنه

ولا أبرزتهن إلى أنيس

إذا نور الوحوش به أنسنه

ويجهر في صراحة بأنه ليس ناسكا:

وقال الفارسون حليف زهد

وأخطأت الظنون بما فرسنه

ورضت صعاب آمالي فكانت

خيولا في مراتعها شمسنه

ولم أعرض عن اللذات إلا

لأن خيارها عني خنسنه

وهكذا يصر أبو العلاء على أن يحسن فهم نفسه، ويرد فعاله إلى أصولها النفسية، كما أصر على أنه عاش كسائر الناس، ولها كما لهوا وجد كما جدوا، فليس من الخير في شيء أن يعلل فعله بالفلسفة والتفلسف والدعاوى الواسعة.

تغاير آرائه ظاهرة نفسية

انتهت حياة أبي العلاء على هذه الحال التي صار إليها في دوره الثاني، فأمضى حياة كلها إنكار للواقع واستعلاء عليه، ورغبة في تكميل ما نقصه، فيوما ينكر آفته ويوما ينكر بشريته، حينا يطلب الدنيا بغير آلتها، وآنا يخرج نفسه من الدنيا وهو فيها، ذكاؤه دافع، وآماله واثبة، واقعه قاس، ونقصه غير يسير، ورغبته في التكمل جامحة، فهو ونفسه أبدا في جذاب كما قال:

إني ونفسي أبدا في جذاب

أكذبها وهي تحب الكذاب

1: 123

وفي هذه الحال النفسية واجه أبو العلاء الحياة في حس مرهف وشعور دقيق، وروح ساهرة، وراح يدون خواطره تدوينا موسعا مفصلا دقيقا شاملا للعوالم النفسية المختلفة التي تمر به ويمر بها، مدركا في دقة أخفى غوامض هذه العوالم النفسية، فهل يستغرب بعد ذلك أن يغضب هذا الرجل، فيواثب القدر، ويهاجم الأقداس، ويلعن الناس، أو أن ينظر إلى حاله، فيرى الأمر حظا واتفاقا لا غير، ويلعن هذا الحظ؟ أو أن يروض نفسه فتلين حينا وتسخر من الحياة ومن فيها، ومن متع الدنيا والمتقاتلين عليها، وتشوه ذلك تشويه زاهد، ممعن في التجرد والتخلي، أو أن تشعر هذه النفس الدقيقة بالحياة الواقعة كما أخضعت الناس، وخضعوا لها، فتحلل من ذلك ما تحلل تحليلا بارعا، وتصفه وصفا قديرا، أو أن تلجأ هذه النفس إذا قسا عليها الواقع إلى فسيح الرحمة الإلهية ورحب العوالم السماوية؟ لا بعد في شيء من ذلك، ولا غرابة أبدا، بل شأن النفس المكبوتة هذا الكبت المتطلعة ذلك التطلع أن تتنقل مثل هذا التنقل.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٤