وهذا الترتيب لم يؤثر في مسألة تقابل آراء الرجل؛ لأننا نجد المتقابلات في كل عهد من عهوده؛ شبابا وكهولة وشيخوخة، بل نجد المتقابلات في المكان الواحد وفي القطعة الواحدة، كما أنك تجد المتقابلات فيما لا يتغير فيه الرأي؛ لأنه أصل ثابت للتفكير؛ كمسألة المعرفة. والمذهب فيها على ما مر. ولو قد سمعنا شيئا من التفصيل لأثر الزمن في تناقض الرجل عند صاحب الإشارة السابقة لناقشناه، ولكنا نقول رغم هذا الإجمال: هل التفلسف أن يترك الرجل آراء مختلطة ضائعة المعالم، لا ندري متى وكيف قال بها؟! وهل التفلسف أن يختلف الرأي اختلافا بينا مطلقا في الأصول والأسس؟! وهل ... وهل ...! •••
وحيث قرأت تلك الإشارة عن التناقض وتأثره بتطور حياة المعري قرأت خبر محاولة في التوفيق بين متناقضات أبي العلاء، ولم يتهيأ لي أن أطلع على شيء من تفصيلها. فإن يكن هذا التوفيق عقليا منطقيا، فقد عدنا به إلى دعوى فلسفة الرجل بعد ما مضى من قول فيها، وبعدما أنسنا بطلانها، وقد خلف صاحبنا في كل حال آثارا فنية الطابع، فنية الموضوعات، فنية التناول، فلعله ليس من الحق والصواب أن نحاول رد تناقضها، والتوفيق بين متخالفها توفيقا نظريا منطقيا عقليا. وأما إن كان هذا التوفيق نفسيا فنيا فإنا لنرجوه ونتمنى أن يستطاع، وإن لم يكن يعنى أصحاب الفن بهذا التوفيق بين متناقضات متفنن؛ لأنهم لا يعنون بأن يقيموا قضايا صحيحة على النظر، ولا قياسات سليمة المقدمات مؤدية إلى النتائج، وإنما يعنى أصحاب الفن بأن يدركوا من نفسية المتفنن وشخصيته ما أدى به إلى هذا التناقض أو التقابل؛ ليفهموا بذلك مراميه، ويدركوا خواطره، وهذا البحث النفسي عن سر التقابل في معاني أبي العلاء وتأملاته الفنية هو ما قصدنا إليه، ورجونا أن نقيمه على وجه صحيح من أمر هذه النفس الجليلة، فهما لفنها وتمثلا له.
والآن قد انصرفنا عن فلسفة أبي العلاء لما أوردنا قبل ذلك من أوجه، واطمأننا إلى تفننه، ونظرنا إلى آرائه على أنها تأملات فنية، ولمحنا فيه ظاهرة التقابل بادية غالبة، بل عامة إن شئت، فما بنا بعد استبعاد تفلسفه أن نسمي هذا تناقضا أو نلتمس له تفسيرا عقليا. فلما رحنا نلتمس أسباب التقابل فيما ذكره القدامى من الأدباء لم نجد من هذه الأسباب ما يرتاح إليه الناظر المتعمق في أدب الرجل وتراثه الجليل، سواء في ذلك ما عللوا به تناقض أبي العلاء نفسه، (انظر ص95 و125)، أو ما أوردوه في التقابل مطلقا، (انظر ص127 وما بعدها)، فحق علينا بعد ذلك كله أن نلتمس السبيل الميسرة والطريق المؤدية إلى هذا التعليل والتبيين، وإنما هي - فيما أقدر - الفهم النفسي للأديب وأدبه فهما ينتفع فيه بما عرفت الحياة العلمية عن قوانا النفسية ونواميسها. وأول ما تقضي به هذه الرغبة في الفهم النفسي هو تقدير:
حال أبي العلاء الخاصة
فنعني بها تلك الحال الجسمية لما بين الجسم والنفس من صلة وثقى، لا محل للإطالة في الكلام عنها، وكذلك نرجو أن نفهم شخصيته النفسية فهما عاما مجملا بما عرف من خبر واصف لحاله الجسمية المادية، فنتبين أثرها النفسي عليه بصفة عامة، وفكرة جامعة نظفر منها بما يكشف عن معانيه ومراميه، فنفهم آثاره الأدبية بما وراء ألفاظها وما بين سطورها لا بكلماتها وجملها فحسب، ثم نمضي بما يتكشف لنا من سرائر هذا الفن، فنكمل صورة الشخصية النفسية للأديب المدروس، وكذلك نفهم الأدب بشخصية صاحبه، ونستكمل فهم شخصية الأديب بفهم الأدب في تبادل متسق لا دور فيه ولا اضطراب.
ولأبي العلاء بخاصة من حاله الجسمية ما يؤذن بنفسية جديرة بالدرس، مسعفة في الوقت نفسه على الفهم، يتجلى فيها بوضوح ما أشرنا إليه من تأثير الجسم في النفس وتأثرها بحالته، ولا حاجة بنا إلى الإطالة في بيان ما لهذا الفهم النفسي من فضل الابتناء على أصول مقررة، ومعاني محققة، لا على فروض واحتمالات، أو تخرصات وادعاءات، أو وقوف عند نقول يعتريها ما يعتري الخبر من آفات، فهو فهم أكثر واقعية، وأدنى إلى الصدق من ظنون متخرصين أو متعصبين لحب أو كره، غافلين عن نواميس الحياة للنفس البشرية؛ إذ لم تكن تسعفهم معارف عهدهم على التنبه لها، وهو الفهم الذي يوائم الكرامة العقلية لهذا العصر، ويرد العمل الأدبي إلى الضبط الصحيح والدقة العميقة. •••