تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كل أولئك لا يسهل على الباحث أن يجد في تلك الأسباب التي أشار إليها الأدباء في تقابل الآراء ما يفسر صنيع أبي العلاء الذي جرى في غير مجراهم، وعرض لغير ما عرضوا له، بروح غير روحهم، وتناول مخالف لتناولهم، ولن يكفي بعض تلك الأسباب مفردا، ولا تكفي تلك الأسباب كلها مجتمعة، تعليلا لتلك الظاهرة التي شملت فن الرجل، وسادت فيه سيادة واضحة، ووجب إذن على الدارس الدقيق أن يلتمس سببا وراء ذلك كله، وهذا ما وجدنا أن أهدى السبيل إليه هو الاستعانة بالنفسيات، والوصل بين الأديب وأدبه، والابتداء بشخصيته وما عرف من حالها في فهمه وتذوق فنه وتبين ما غمض أو استبهم منه، وذلكم هو الدرس النفسي الذي طمعنا في أن نقدم منه مثالا في فهم أبي العلاء. على أنا - حفظا لما بين المعاني من التداعي واستيفاء للفكرة عن هذا التقابل في آراء الرجل - نسوق كلمة عن:

تناقض أبي العلاء عند المحدثين

10

وتستطيع الاطمئنان إلى أنهم لم يولوا هذه المسألة عناية كافية، بل أهملوها وهونوا من شأنها؛ لأنهم جميعا - فيما أعرف - يفلسفون الرجل، ويعجبهم من تفلسفه هذا الاهتمام بالمظاهر العملية للإنسان في حياته الخاصة، ويقدرون أن ما يتصل بالدين من شعر أبي العلاء ليس شيئا بالقياس إلى الفلسفة العلائية التي تناولت أطراف العلم الإنساني، وبحثت عن المظاهر العملية للإنسان في حياته الخاصة،

11

وبعد أن يفلسفوه ويحققوا فيه معنى الفيلسوف، وهو الباحث الملائم بين حياته وعمله - على ما ناقشناه سابقا في ص - يبحثون عن الأصل النظري له، ويقررون فيه ما يقررون - مما ناقشناه أولا في بحثنا عن مسألة المعرفة عنده، (ص99 إلى ص103) - فينتهون إلى تقرير أنه: مهما يكن من شيء فإن لأبي العلاء آراء ثابتة قد استقر عليها حياته كلها لم ينكرها ولم يشك فيها،

12

فهم بذلك كله يكبرون عنايته بالمظاهر العملية للإنسان في حياته بعد تقرير موافقة عمله في الحياة لبحثه الفلسفي، ويرون له بعد ذلك آراء ثابتة لعلها لا تكون عندهم أكثر ما تكون، وأثبت ما تكون إلا في المظاهر العملية للإنسان في حياته؛ إذ تقضي بها ضرورة مطابقة سلوك الفيلسوف لأصوله الفلسفية، ويزيد ذلك عند أبي العلاء ما له من عناية خاصة بتلك المظاهر العملية للإنسان في حياته - على ما يقولون - والقارئ يذكر أنا لم نختر من فلسفة أبي العلاء التي لم يثبت فيها على رأي، والتي تتقابل فيها آراؤه ذلك التقابل الجلي الواضح، لم نختر شاهدا لذلك التقابل إلا هاتيك المظاهر العملية للإنسان في حياته الخاصة، ومع مجتمعه الصغير، وهو الأسرة، ومجتمعه الكبير وهو الأمة - على ما مر في الصفحات من 10 إلى 89.

ومن كل أولئك يتضح ما نشير إليه من إهمال المحدثين لهذا التناقض في آراء الرجل، أو ما آثرنا أخيرا أن نعبر عنه بكلمة التقابل، تاركين التناقض والنقيض للجو الفلسفي، جو هذه الاصطلاحات، إذ ارتحنا إلى أن صاحبنا ليس فيلسوفا.

على أن من المحدثين من التفت إلى هذا التقابل التفاتا يسيرا؛ كالأستاذ الميمني، وقد ذكر في ذلك كلمة عن وجود جانبين لشيء واحد تكون له حالة خاصة بكل واحد منهما، وأن هذا سبب ما تناقض فيه قول أبي العلاء، وناقشنا هذه الكلمة، وبينا عدم وضوحها وعدم صلاحيتها لشيء من التعليل، وأن الفكرة التي فيها ليست مما يقرره أبو العلاء بإطلاقه القول في الشيء الواحد (انظر هامش ص98).

ولعله منذ كثر القول في هذا التناقض بعد المحاضرة بهذا الرأي في أبي العلاء ومناقشته في بعض المجلات الأدبية المصرية، ونشر طرف يسير منه

13

كانت للمحدثين عناية ما بهذا التناقض، فقرأت قولا مجملا لبعضهم

14

يشير فيه إلى أن كثيرا من المتناقضات التي نزعمها في حياة المعري آتية من تطور حياته الفكرية؛ فكثيرا ما ناقض الشاعر في دور الكهولة والشيخوخة ما قاله في دور الفتوة والشباب، وهذه الناحية قل من راعاها، وهو إجمال لا يمكن من مناقشة صاحب هذا القول في سعة، ولا هو مؤيد بشاهد أو دليل على تأثر هذا الاختلاف بتطور الحياة الفكرية؛ كهولة وشيخوخة وشبابا. وبحسبي هنا أن أقول: إنه ما دام تطور الحياة يؤثر في آراء الرجل، فقد وجب أن تكون دراستنا له منتهية بنا إلى مصور مختلف الألوان يمثل تغير هذه الآراء وتطورها، وألا نطلق القول بتفلسفه إطلاقا، وألا نقرر أن حياته كانت وفق مذهب فلسفي وعلى أصل ثابت ... إلخ. على أنه لم يخف أثر اختلاف أدوار الحياة على أحد، وقد حاولنا وحاول غيرنا كثيرا أن ترتب آثار أبي العلاء ترتيبا زمنيا تفصيليا دقيقا، فلم يتيسر ذلك، وهو غير متيسر تماما ما دامت تلك الفجوات في آثاره فارغة بضياع الضائع، بل نحن بعد العثور عليها جميعا لا نهتدي لذلك الترتيب الزمني المحدود المفصل لضياع معالمه. لكن قد استطاعت الدراسة الأدبية إلى حد كبير أن ترتب الموجود من آثاره ترتيبا عاما، يعين ما كان منها في زمن الشباب، وما كان منها بعد ذلك، وبخاصة توزيع هذه الآثار على العهدين الواضحين اللذين ذكرهما المعري وميزهما البحث في حياته على ما سنشير إليه فيما يلي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٠