تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إيف أبو العلاء - وهو حدث - تلك الآفة القاسية التي ألم منها ألما شديدا، ما زال يشكوه حتى آخر عام من عمره؛ إذ يقول لداعي الدعاة: «وبصري عن الأبصار نقيل، قضي علي وأنا ابن أربع، ألا أفرق بين البازل والريع.»

15

كما شكاها سائر حياته شكوى تعتبر وحدها فنا بذاته، يؤثر بالدرس المفرد، فهو يقول للدنيا:

وأوقدت لي نار الظلام فلم أجد

سناك بطرفي بل سنانك في ضبني

16

2: 304

كما يقول للناس:

وجوهكمو كلف وأفواهكم عدى

وأكبادكم سود وأعينكم زرق

وما بي طرق للمسير ولا السرى

لأني ضرير لا تضيء لي الطرق

2: 103

وليلته بآفته صارت ثلاث ليال متراكبة، وهو يألم لأثر الآفة وما تحدثه من ضعف؛ إذ تحبسه عن المنى والرغائب:

حبستك أقدار ذوتك عن المنى

فمضى الصحاب وأنت ثاو حابس

2: 25

كما يقول ناثرا: «... والحوج على ذات عوج، وهي على سواي سهلة كالأنفاس، ولو شاء الخالق لجعلني مثل الناس.» (ف271)، وهي تلزمه الحاجة إلى الناس، فهو المستطيع بغيره كما يقول في الغفران (ص206)، وهو الذي يعد العصا يسارا:

غدا العميان في شرق وغرب

يعدون العصي من اليسار

قني فوارس ما كان منهم

فوارس رحرحان ولا النسار

17

1: 328 •••

عصا في يد الأعمى يروم بها الهدى

أبر له من كل خدن وصاحب

1: 96

وإذ يعد إرشاده إلى الطريق صدقة:

تصدق على الأعمى بأخذ يمينه

لتهديه وامنن بإفهامك الصما

2: 240

وإذ يلتمس لأمثاله الرحمة من الناس إذا ما مروا بهم:

إذا مر أعمى فارحموه وأيقنوا

وإن لم تكفوا أن كلكمو أعمى

2: 242

ويشكو في لوعة نفوسا لا تحن على أقدامهم العاثرة:

نشكو نفوسا إلينا غير محسنة

ما إن تحن على أقدامنا العثر

1: 314

ويغيظه بخل الناس عليهم حتى بغوا الحياة من الموتى بالقراءة على قبورهم:

عميانكم قرأت على أجداثكم

وأتوا لكم بالبر من آتاكمو

أحياؤكم بخلت عليهم بالندى

فبغوه بالفرقان من موتاكمو

2: 238

وتقرؤه في قطعة عنيفة قد جمع فيها كل آلامه، ومظاهر فقدانه من آفته إلى ضياع لذة الدنيا إلى البعد عن الخمر وتسريتها عن النفس، ففقد الشباب الذي لا عوض له، والحرمان من الحب، فهو يقول:

عمى العين يتلوه عمى الدين والهدى

فليلتي القصوى ثلاث ليال

وما أزمت نفسي البنان على التي

إذا أزمت عضت بشوك سيال

ولا قصرت لي أم ليلى بشربها

حنادس أوقات علي طيال

إذا ما اجتمعنا هاجت الحزن ألفة

محدثة عن جمعنا بزيال

لحا الله غارات السنين فإنها

مبدلة ظلمانها بريال

وما سرني رب الخيال بشخصه

فيطلب مني النوم طيف خيال

وهون أزراء الحوادث أنني

وحيد أعانيها بغير عيال

وهي شكوى باكية عدم النسل أيضا. وإنك لترهب زفراته المحرقة إذ يقول بعد ذلك كله:

فدعني وأهوالا أمارس ضنكها

وإياك عني لا تقف بحيالي

2: 187، 88

هذه الآفة بينة الأثر في الحياة، ما يحتاج أمرها إلى استشهاد، ولكنك تسمع هذا من أبي العلاء لتدرك وقعها عليه، ومدى عنائه بها، فتقدر تأثيرها في حياته، وفعلها في نفسه.

أبو العلاء رجل كالناس خاضع للنواميس الحيوية كما يقول هو:

ودنياك سارت بالأنام مغذة

فلا فرق فيها بين سيري وسيركا

2: 131

ويقول:

خلقت من الدنيا وعشت كأهلها

أجد كما جدوا وألهوا كما لهوا

2: 335

فهو متأثر بآفته هذا التأثر الحاد ولا سيما حين يقدر دارسه أنه خرج إلى الدنيا بوراثة طامحة من أب قد نمته أسرة عرفت بالعلم وتولي القضاء، وأم من حلب، التي يقول أبو العلاء عن نسائها في الغفران: «فطالما كن أجود غرائز من رجالهن، وربما كان في نساء حلب شواعر.» (ص205) فهي وراثة كريمة دافعة إلى ابتغاء الرفعة، والآفة كابحة معوقة، فالشعور بها حاد ثائر. ومن هنا يبدأ فهم نفسية أبي العلاء بالنواميس المقررة في نفوس الناس. •••

أراد أبو العلاء مع هذه الوراثة وهاتيك الآفة أن يستعيض عما فاته، ويكمل ما نقصه خضوعا للناموس النفسي

18

في ذلك حين يكون العيب الطبيعي سببا في تقوية الروح المعنوية وعاملا في بروز الشخصية رغبة في التعادل النفسي، وسعيا إلى التكافؤ، وطلبا للتعويض عن النقص. وهذا هو ما يشير إليه أحد النفسيين المحدثين حين يقول: إن الحضارة كلها نتيجة المساعي التي تبذل للتغلب على الشعور بالنقص الذي ينشأ عن عاهة تلحق الجسد. فكان الدور الأول من حياته إلى سن الثلاثين - على ما يحدده هو فيما سيجيء - منفعلا بهذا الشعور، فاعتزم اعتزاما قويا - على ما قال في الفصول - أن يفر من القدر: «ولقد فررت من القدر» (ف283)، قد فررت من قدر الله (ف251). ولذلك تجاهل الواقع الجسمي المادي فيه، وراح يطلب الدنيا في جد وتصميم، معتزما أن يساوي الآخرين فيها، فكان منه في هذا الدور ما وصفه مترجموه في قولهم: عجب من العجب، شاعر ظريف يلعب بالشطرنج والنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل، يقول:

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٤٢