وبهذا القدر كان أبو العلاء قريبا من البيئات العربية - بل الشرقية أو غير الشرقية أيضا - قربا لا يقصر درسه على أبناء بيئته.
وبعد ...
فمن أجل المنهج الأدبي الداخلي واستكماله، حاولت درس أبي العلاء وفنه على أساس نفسي ... وأدعو إلى درس أدبائنا جميعا على مثل هذا الأساس؛ لنفهم فنهم من أرواحهم لا من ألفاظهم فحسب.
أمين الخولي
| على الدهر
وخامل ما نأت عنه نباهته
كأنه الجمر غطى ضوءه اليبس
هكذا قال المتوحد الحبيس أبو العلاء، ولعله عنى نفسه، فما نأت عنه قط نباهته رغم انكماشه واستتاره ... وفي هذا العصر الحديث كان أبو العلاء موضع العناية الدائمة، فمنذ بضعة وخمسين سنة كان يقارن بينه وبين ملتن الشاعر الإنجليزي ...
1
ومنذ قرابة ثلاثين عاما كان يقابل بشوبنهاور الفيلسوف الألماني ...
2
ومن ربع قرن مضى كان يدرس في الجامعة المصرية الأولى
3
حينما كان أحد أبناء الشام
4
يبعثه من مرقده ليطوف به في بلاد اليونان وإيطاليا وفرنسا، يلقى معه آلهة الحكمة والفنون ورءوس الفلاسفة وعظماء الرجال، ثم ما زال هذا الحديث حتى اليوم متصلا.
انتهى المحدثون إلى أن أبا العلاء كان فيلسوفا حقا،
5
وأن المسلمين لم يعهدوا بينهم في قديمهم وحديثهم فيلسوفا مثله، قد جمع بين الفلسفة العلمية والعملية،
6
إلى أقوال تشبه ذلك.
ولكن هذه الشخصية القوية العنيفة التي صدر عنها ذلك الأدب الغزير، واختلجت جوانح صاحبها بأشتات الخواطر والمعاني في جميع فروع المعرفة، وأقسام الفلسفة، لا تزال موضعا للدرس، ومجالا للبحث، وهذه محاولة جديدة لفهم الكيان النفسي لأبي العلاء، وإدراك العوامل المؤثرة في حياته وتوجيهها، وتقدير شخصيته العامة على أساس من الواقع الجسمي والنفسي للرجل دون إسراف في الفروض، ولا ذهاب في الاعتبارات الادعائية إلى حد بعيد ... وكأنما اطلع أبو العلاء بظهر الغيب إلى هذه المحاولة الجديدة في فهمه يوم قال:
يكررني ليفهمني رجال
كما كررت معنى مستعادا
سقط الزند 1: 158
وإذ قد ولع المحدثون بوصف الرجل بالفلسفة، ودعوه الشاعر الفيلسوف، وحكيم الشعراء، وشاعر الحكماء، وإمام الحكماء وأشباه ذلك، فإنا ندير القول على أساس من التقسيم الفلسفي فنتحدث عن:
مسألة المعرفة عند أبي العلاء
وهو في سعة من القول، وفكاك من قيود النظم. يقول في الفصول والغايات:
7 «يدرك العلم بثلاثة أشياء: بالقياس الثابت، والعيان المدرك، والخبر المتواتر.» كما يقول: «العقل نبيء، والخاطر خبيء، والنظر ربيء، ونور الله لهذه الثلاثة معين.»
8
فالمعرفة عنده ممكنة وسبيلها العقل، والمشاهدة، والخبر، وهو يؤيد ذلك في شعره ويكرره، إذ يقول:
خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه
ولا يرجون غير المهيمن راج
ولا تطفئوا نور المليك فإنه
ممتع كل من حجى بسراج
1: 169
9
فاسأل حجاك إذا أردت هداية
واحبس لسانك أن يقول مجازا
2: 6
تفكر، فقد حار هذا الدليل
وما يكشف النهج غير الفكر
1: 357
فيطمئن إلى هدى العقل، ويرى التفكير الصحيح سبيل الوصول، ويقول:
إذا تفكرت فكرا لا يمازجه
فساد عقل صحيح هان ما صعبا
1: 83
ولم يتناول درة الحق غائص
من الناس إلا بالروية والفكر
1: 305
ولو صفا العقل ألقى الثقل حامله
عنه ولم تر في الهيجاء معتركا
2: 133
وحسن ظنه في ذلك فقال:
إذا قرن الظن المصيب من الفتى
بتجربة جاءا بعلم غيوب
1: 102
ورأى في الاستدلال مخلصا من الحيرة:
تحير مسترشد
فوفق لما استدل
2: 217
وتحدث عن القياس حديث الواثق المطمئن، فكان من قوله في ذلك:
وقس بما كان أمرا لم تكن تره
فالرجل تعرف بعض الموت بالخدر
1: 311
أيها الملحد لا تعص النهى
فلقد صح قياس واستمر
1: 353
وفي تصديق الخبر يقول:
فاعرف لصادقك الأنباء موضعه
واجز الكذوب على ما قال تكذيبا
1: 88
ويرى تكذيب الصادق رزأ:
ومما أدام الرزء تكذيب صادق