تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النظر في أدب الأديب جملة، وعلى أن له وحدة متماسكة بحيث يتصل في فهمك وتذوقك، قريبه ببعيده، وأوله بآخره ... ثم أنت منسقه على فنونه، وناظر إليه فنا فنا على النحو الذي أصفه بعد بأوسع من هذا الإجمال هنا. (2)

وصل الأديب بأدبه، وفهم الأدب بشخصية صاحبه كما تفهم الشخصية الأدبية نفسها بآثار صاحبها في غير دور ولا تداخل، إذ يتقدم من فهم الشخصية في ظروفها الجسمية والحيوية وما إليها ما يعين على فهم خفايا الأدب، ثم يتأخر من فهم هذه الخفايا الأدبية ما يكمل فهم الشخصية النفسية لصاحبها، فيتم الوصل بين الأدب والأديب في هذا الفهم النفسي وصلا مجديا غير مضطرب. (3)

الانتفاع الدائم المتجدد! بما عرف ويعرف في دوائر الدرس النفسي المجرب الدقيق لقوى الإنسان وملكاته ومشاعره وغرائزه، ويتم هذا الانتفاع بتعاون الدرسين - النفسي والأدبي - تعاونا يخص علم النفس الأدبي بالعناية المثمرة التي تمد الأدباء بالأضواء الكافية لفهم الأنفس، وتكشف لهم عن آثار ذلك في الفنون.

ولا أزيد الآن على هذا الإجمال لأركان الفهم النفسي للأديب والأدب مكتفيا هنا بالمثال العملي الذي يقدمه «رأي في أبي العلاء» تاركا تفصيل هذه الخطوات لفرصة أخرى، لعلها - إذا أعان الله - تكون تكميلا لدرس أبي العلاء نفسه.

حلقات متصلة «وليس هذا الذي أحدثك به عن الفهم النفسي للأدب بدعا من القول، لم أحاوله قبل الآن في تحرير مناهجنا الأدبية: كلا، بل إنك حين تقدر اتصال الدراسة الأدبية في صورها المختلفة تستبين هذا القول مسبوقا مني بمحاولات بعيدة العهد غير ضيقة المدى في سبيل تأصيل الدراسة النفسية الأدبية ... ومن هذه المحاولات ما كان قبل الآن في تكميل منهج البلاغة بحيث تصير «فن قول» يقدم له بمقدمة نفسية تدعم صلة فن القول بعلم النفس الأدبي ... كما أن منها القول بالتفسير النفسي للقرآن وهو كتاب العربية الأكبر وتاج أدبها ... وما تم من ذلك في تطبيق غير قليل لهذا الأصل النفسي في التفسير ... ثم حديثي عن هذا الرأي في «الإعجاز النفسي للقرآن»، وتعليله تعليلا يقوم على تقدير أن العنصر النفسي في الأدب هو لبابه وروحه،

5

فإذا ما دعوت اليوم إلى الفهم النفسي للأدب والأديب، بل إلى رفع قواعد «المدرسة النفسية للأدب» فليس ذلك عمل اليوم، ولا بادي الرأي، بل هي حلقات متصلة يشد أولها آخرها، وترى الاتصال بينها قويا متسقا، ومن هنا أهديت هذا الرأي ... إلى الذين يرفعون القواعد من المدرسة النفسية في دراسة الأدب.»

ثم البيئة ... أيضا

وإذ تردد الحديث عن المنهج الأدبي وتحريره وتكميله، وقد سبقت قبل الآن كلمتي عن «إقليمية الأدب»، وشدة تأثر الفن ببيئته، وضرورة مراعاة ذلك في درس الأدب وتاريخه، فلعلك سائلي: أفلا يكون إذن أهدى لدرس «أبي العلاء» أن يقوم به أحد أبناء بيئته؟ فأجيبك: أن نعم ... لكن هناك أشياء في هذا الدرس، وفي الأديب المدروس ينبغي أن تقدرها.

فأما في الدرس: فإني إنما حاولت فهم الكيان النفسي لأبي العلاء، وتبين سمات شخصيته الفنية قبل كل شيء، وتركت ما وراء ذلك من بقية الدرس لأدبه: لفظا، ومعنى، وموضوعا، وفي ذلك يكون ابن بيئته أهدى مني وهو باق له.

وأما في المدروس: فهناك معنيان كبيران يحلان لي درس صاحبنا:

أولهما:

أنه حين أغمض عينيه مبكرا عما حوله من ظواهر الوجود قد عكف على باطنه يستلهم مذخوره ومحفوظه، فخف نوعا ما، أثر البيئة المادية عليه، واعتمد على أقدار مشتركة من الميراث الأدبي للعربية، جعلت الصلة بينه وبين أبناء البيئات الأخرى قريبة قوية.

وثانيهما:

وهو الأجل الأخطر، أن أبا العلاء في أدب العربية قد تفرد - أو كاد - بجعل الفن القولي - كما ينبغي أن يكون الفن - أداة لفهم الكون والإنسان، كما كان الدين، وكانت الفلسفة، وكان العلم، وكان غير ذلك، من محاولات إنسانية خالدة، وبذلك أخضع مشكلات الحياة والكون الكبرى لتأمل المتفنن ووجدانه، وأشرف من ذلك على آفاق بعيدة تلاقي آفاق التفلسف والتدين والتصوف في سعتها، فدنا - بذلك كله - من نفوس متفهمي الإنسانية جميعا، بله متذوقي أدب العربية، وساغ لكل مستمتع بالفن متأمل في الوجود أن يجول في آثار أبي العلاء فيجد الخفقات الكبرى للروح الإنسانية، ويبصر من أسرار هذا الهيكل البشري ما تكشفه له أضواء الخبرة النفسية.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٣