ثم هو فيما يورده من ذلك تجري على لسانه عبارات واصطلاحات تتصل بمقررات لأصحاب علم الكلام الإسلامي، أو أصحاب الفلسفة العامة، فتكون حينا وفق ما قرروها، وحينا غير ما عرف عنهم؛ ولهذا كله سبب قوي من عوالم الشيخ النفسية - أو مما يكشفه الدرس غير ذلك - وفي كل حال لا يحسن أن نعرض لصنيعه في حديث القدرة والمشيئة قبل أن نذكر القارئ بالمهم من هذه الاصطلاحات ليقضي برأيه في صنيع أبي العلاء عن بينة، ويرى رأيه في مكانه بين الفلسفة والدين على أساس صحيح. •••
فأصحاب الكلام يذكرون المستحيل ويريدون به ما لا يمكن وجوده بل يستحيل وجوده في الخارج؛ لأنه إذا تصورت ذاته مجردة من كل اعتبار لم تكن إلا مستحيلة الوجود بحكم العقل القاطع لا بحكم العادة؛ فالذهن لا يستطيع أن يتصور له ماهية كائنة، والعدم من لوازم ماهيته. وذلك هو المستحيل العقلي كاجتماع النقيضين الوجود والعدم، فإن الذهن لا يستطيع أن يتصور كون الشيء موجودا وغير موجود في آن واحد، وكخلو الجرم عن الحركة والسكون معا؛ فإن العقل يجزم في مثل هذين بعدم تحقق أحدهما لذاته؛ إذ لا يمكنه تصوره.
وإذا كان هذا هو المستحيل العقلي الذي انتفى فيه الوجود، واستحال التحقق بحكم العقل القاطع فهناك مستحيل سموه: المستحيل العادي، تحكم بعدم وجوده في الخارج العادة والإلف، وما عهده الناس من شئون الكون، لكن العقل يتصوره ويجده ممكنا، وله بهذا وجود ذهني، لا خارجي، ثم قد يكون له هذا الوجود الخارجي في حال خاصة من تقدم علم الناس بقوانين الكون ومعرفتهم قانونا جديدا مما يسير عليه الوجود، كما قد يوجد في الخارج بمعجزة كان يمكن أن تجري في عصر المعجزات على يد أحد المرسلين،
8
ومثال ذلك المستحيل العادي الذي لا يمكن عادة وجوده وإن أمكن عقلا وجوده: مشي الإنسان على الماء، أو طيرانه في الهواء وصعوده السماء، وما إلى ذلك مما تحقق بالمعجزة فيما مضى، ويتحقق اليوم بالأجهزة أو بتقدم معرفة الناس بالنواميس، فهو قبل هذا لا يقبل الوجود عادة، وفيما عهد الناس من الوجود وعرفوا من قوانينه، ثم يصبح ممكنا واقعا كالطيران وسماع من في أقصى الأرض، وما إلى ذلك مما علم الناس بعد تقدمهم أنه من سنن الكون ونظم الوجود. فالمستحيل الأول العقلي هو مخالفة النواميس الفطرية النظرية، أي الخاصة بما لا يتوقف على المادة في تصوره كالمنطقيات والرياضيات،
والمستحيل الثاني - أي العادي - هو مخالفة النواميس الطبيعية الواقعية العملية، أي الخاصة بما يتوقف تصوره على المادة كالطبيعيات وما إليها، ويزيد هذا بيانا أن أذكرك بتقسيم القدماء للعلوم: إلى ما يتوقف على المادة في تصوره ووجوده، وهو العلم الطبيعي، وما لا يتوقف على المادة في تصوره وإن احتاج إليها في وجوده، وهو العلم الرياضي، وما لا يتوقف على المادة لا في تصوره ولا في وجوده، وهو العلم الإلهي. وقد كان هذا التقسيم مما نظن أبا العلاء قد قرأه أو حفظه فيما ألم به من التحصيل الفلسفي. كما نرجح أنه عرف من قول الكلاميين هذين المستحيلين: العقلي والعادي. وسنرى تناوله الفني لهذه المعاني، وأين يقع من الصواب فيها؟
وإذا أشرنا مضطرين إلى هذه المقررات الفلسفية والكلامية لإكثار صاحبنا من التعرض لها تعرضا يحتاج إلى الرأي، فإننا نستطيع أن نلم بعد ذلك بقدر من أقواله في هذا الشأن، ولعل أكثرها مما أشار إليه في تسبيحه الله وتمجيده بما كتب في الفصول والغايات؛ إذ للعالم النفسي المسيطر عليه ديني واضح.
وقد أشرت إلى أن أبا العلاء يذكر تمكن هذه القدرة من تحقيق أشياء تمناها لنفسه وفيها الأدلة على خوالجه؛ كألا يستبعد على مشيئة الله أن تجعله في حال خير من حاله، فيقول:
9 «... الملك لك، غالب الغالبين، لو شئت لجعلتني راعي فرق