تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وحيث كانت المسألة من الأهمية على ما رأيت حتى بسطنا القول فيها نوعا ما، فمن البين أن نعرض أبا العلاء على الآراء فيها؛ لنستبين قربه أو بعده من الروح الفلسفية أو الدينية، فماذا يرى أبو العلاء في القدرة الإلهية والأسباب والسنن الكونية؟

نحن نعرف من آثاره أنه عرض لهذه المسألة الكبيرة الأثر في بيان الفرق بين الأصلين: الديني والحكمي، فهل كان يفكر فيها تفكير متفلسف له الشخصية الحرة التي يدعيها له مفلسفوه؟ سنسمع من قوله الإجابة عن ذلك.

إن أبا العلاء قد أحس حينا ما ثبات الفطرة، وجنح نوعا ما إلى استقرار النواميس، فتسمع له مثل قوله في بعض رسائله.

وقد ذكر من حاله فقد أسباب العلم بآفته، ونشأته في بلد لا عالم فيه، وأنه ليس صاحب الثروة فكيف الحداء بغير بعير؟ فقال: فإن بلغ سيدي الشيخ أن ساري الليل قبض على سهيل، وأن الأرض أنبتت وشيا وحريرا، والسحاب أمطر مداما وعبيرا، فهو أعلم برده على المبطلين، حسب الأرض أن تعتو بخلة وحمض، وعادة السحاب المرتفع في السماء أن يأتي بري الظماء ... إلخ.

5

فهو - كما ترى - يعد مخالفة طبائع الأشياء من قول المبطلين، ويطلق القول بذلك الثبات للنواميس لا يستثني ولا يقيد. لكن أبا العلاء، كما عرفته في هذا البحث، لا يكفيك في فهمه بعض قوله دون بعض، فامض قدما، تسمعه حينا آخر يقرر ثبات النواميس لكن في تحوط واستعداد للانسحاب - كما يقول الحربيون الآن - فاقرأ قوله في الفصول:

6 «... والشيء كما فطر حتى يأذن له خالقه بالتغيير، فإن قيل: إن الديمة مطرت مداما، وإن الأرض أنبتت أهداما - جمع هدم، وهو الكساء الخلق - وإن البرة - الخلخال ونحوه من الحلي - صيغت من الكعبرة - واحدة الكعابر، وهو شيء يخرج في العضاه، وكل عقدة صغيرة مثل الجوزة ونحوها، فهي كعبرة، وكعابر الرأس عقده - وإن حضنا - جبل بنجد - غار، وتهامة أتت حجرا - وهي قصبة اليمامة - فقد كذب القائلون، إنما يتنزل من السماء غريض الماء، وتعنو الأرض بالنبات الغض، وتجود السمرة - شجرة ترعاها الإبل - بمر الثمرة، ولا تنتقل تهامة أبدا، ولا يوجد حضن إلا منجدا، فاستغفر الله.»

فهو كما قرأت يكذب القائلين بإخلاف الطبيعة وتغير أوضاعها، لكنك تلمح في صدر الكلام هذا الاستعداد الذي أشرنا إليه؛ إذ يقول: «الشيء كما فطر حتى يأذن خالقه بالتغيير.» فيجعل للثبات غاية هي الإذن الإلهي بالتغيير.

ومثل ذلك قوله في احتياط:

7 «أن رضوى لا يخاف أبدا من ضوى - صغر - الجسم حتى يأذن رب الجبال»، فبقاء جبل رضوى على حاله مرهون بإذن رب الجبال! وبذلك ومثله تحس اهتزاز يقين صاحبنا بتلك السنن، وسببية الأسباب، فإذا ما مضيت تقرؤه وجدته ينفي السببية في قوة، حين يقول:

وقد يأمر الله الكهام إذا نبا

فيفري وقد ينهى الحسام فيكهم

2: 221

ويقول:

لو ينطق السيف نادى ليس لي عمل

إذا قضى مالك الأفلاك أنضاني

متى أراد فصفحاي اللذان هما

بحرا الردى من حياض الموت حوضان

وإن كهمت فأمر الله أكهمني

وإن مضيت فأمر الله أمضاني

2: 316

فقوله هذا في نداء السيف: ليس لي عمل، وأن كهامه يفري بأمر الله، وأنه إن مضى فبأمر الله، وإن كهم فبأمر الله؛ كاف في أنه ينفي بذلك الأسباب نفيا لا هوادة فيه، وأنه لا يرى لهذا الكون نواميس طبيعية، وإنما هي القدرة الإلهية والأمر الإلهي. وأبو العلاء بسيفه هذا أمضى في قول الدينيين وأبلغ؛ فالري ليس من الشرب، ولا الشبع من الأكل، ولا الموت من جز الرقبة، ولا قطع بضرب الحسام؛ لأنه قد ينهاه الله فيكهم. وقد بعد الرجل عن ميدان الفلسفة بهذا التقرير بعدا تاما، ومضى يمعن في بعده هذا، حتى لتحس إذا تابعت قراءته أن هذا الذي فلسفوه حقا يسلط القدرة الإلهية والمشيئة الربانية على الكون وشئونه، ويعرض من ذلك لما يلتحق بالمعجزات طورا وبالكرامات تارة، ويأمل تحقق ذلك من غير طرائقه ومعتاد أمره، تارة لنفسه التي يبدو حبها للحياة والقوة في مثل ما قرأت أول هذا البحث، وحينا يأمل هذه الخوارق لغيره، أو يمجد الله لقدرته المطلقة ومشيئته النافذة في إمكان تحقيقها قائلا: لو شاء ربنا وهو القادر لا يعجزه شيء.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٣٠