ولئن قلت - قريبا: إن القدماء قد أصلوا المنهج الأدبي! فإن من الحق أن أقيد ذلك بأنه تأصيل للجانب الخارجي الذي أشرنا إليه لا غير.
فقد قرروا من القواعد في جمع النصوص ونقلها وإثباتها وتحريرها ما لا يزال حتى اليوم كافيا صالحا للبقاء ...
أما المنهج الداخلي المتناول لفهم النص الأدبي فلا مفر لنا من تقرير أنهم فيه لم يوفوا على الواجب، وأن فرق ما بين عملهم فيه وبين ما ينبغي اليوم منه ليقاس بفرق ما بين التقدم العقلي بين أمسهم الغابر ويومنا الشاهد، وما بين معرفة الإنسان بالكون وظواهره، والنفس وقواها، في عهدهم البعيد، وعهدنا الحاضر ...
فإذا ما دعونا إلى تحرير المنهج الخارجي وتصحيحه، فذكرنا من عملهم فيه، وعمل غيرهم
3
ما يتكامل ويفيد، فإننا في المنهج الداخلي، وفهم النص الأدبي إنما نطلب التكميل والإضافة وزيادة ما لم ينالوه في هذا السبيل أو شعروا به شعورا مبهما ضعيفا، وكذلك يجب أن نقوم بعملين اثنين: تحرير المنهج الخارجي، وتكميل المنهج الداخلي.
ويبين لك هذا التكميل أن تقدر ما ورثناه عنهم، ومضينا نتابعهم عليه في فهم النص الأدبي وتذوقه؛ إذ تراهم وترانا إنما نفهم النص من مادته ولفظه فحسب، نفسره تفسيرا لغويا سطحيا أو بعيدا عن السطح قليلا
4
ونوجهه توجيها نحويا بقدر ما بين الإعراب والمعنى من صلة، إن لم نجاوز ذلك إلى عناية خاطئة بالصناعة النحوية، ليست من العمل الأدبي في شيء ما ... ثم نبين ما فيه من تفنن أدبي بيانا تشير إليه إيماء - بل قد تسيء إليه أحيانا - مقررات البلاغة الفلسفية التي ورثناها وتدارسناها ... وفي حدود هذه الخطة اللغوية النحوية البلاغية - على ضيقها وجمودها - نفهم الأدب ونتذوقه وننقده ونقدره ونؤرخه ونحكم عليه ... وكأنما كل ما بين المتفنن والناس قد تجمع في ذلك الكيان المادي اللفظي الذي تحده المعاجم ببيان المفردات بيانا أثريا جامدا ... والقواعد النحوية لتأليف الجمل في سطحيتها وتصنعها ... والضوابط البلاغية لجمال الفن القولي في جفافها وتصورها ...! لا والجمال ما كان الفن هذا الحطام أبدا ... وإن الفن حينما يعبر عن الإحساس بالجمال ذلك التعبير الكلامي الذي هو الأدب، إنما يسجل خلجات وخطرات وجولات، بل تيارات نفسية لصاحب التعبير هي التي دبرت ذوقه، ووجهت حسه، وألفت نصه، وإنها لتدفعه أحيانا دفعا قويا يكون معه مستهوى مسحرا يقول ما يجد، وقد ملك عليه نفسه فجرى به لسانه قبل أن تقدر قواه الواعية كيف نظم لفظه، أو أقام إعرابه، وأجرى استعارته، أو نسق عبارته، تعريفا وتنكيرا، أو تقديما وتأخيرا إلخ ... بل لعل الأديب صاحب الأثر نفسه قد يحتاج - فيمن يحتاجون - إلى تدبر قوله، وتبين تأليفه، فلا يكون أقل حاجة في ذلك من سامع يتفهم، وقارئ يتأمل ... والذين عانوا الفن القولي في صورة من صوره يدركون هذا الذي أصفه جليا، ويفهمونه بديها ... والنقاد الأدباء يعرفون ذلك جيدا ...
نعم ... إن وراء هذا الظاهر الخارجي لقوى نفسية تصنع الفن، وتؤلف القول، وتصور المعنى، وتجري ذلك كله على يد المتفنن، بعمل لو زعمت أن منه ما ليس إراديا لم تخطئ ولم تبعد ... وإن عبارات صاحب الأدب لتظل تحمل لذلك كله آثارا قوية، وإن لم يشعر بها أصحاب الخطة اللفظية، جلية، وإن لم يستبنها أصحاب الطريقة المادية، وعلى متفهم الفن أن يلتمس ذلك بخبرته النفسية، ولمحاته الوجدانية، ويتبينها بأضواء المعرفة الإنسانية لحركات النفس، وحياتها، وتأثرها، وتأثيرها ...
وكذلك ينبغي أن نكمل المنهج الداخلي للأدب، فنفهم الأدب والأديب فهما نفسيا ... ومن ذلك الفهم النفسي سقت هذا المثال من فهم أبي العلاء؛ إذ انتهيت فيه إلى هذا الرأي ... •••
ولو شئت أن أجمل لك هنا خطى الفهم النفسي للأدب والأديب، وأبين أركان هذا التكميل المنشود للمنهج لقلت إنها: (1)