غير وأنكر على ذي الفحش منطقه
إذا أجاز خنا زير خنازير
1: 260
ويشتد في هذا حتى يقرر وجوب تعزير الملك على أخطائه:
يعزر الملك توقيرا وحق له
على المآثم تأديب وتعزير
1: 260
| تقابل آراء أبي العلاء
1
ذلكم جانب آخر من صورة أبي العلاء، أو صورة ثانية غير مألوفة لشخصه ولآرائه في أمور إنسانية بعيدة عن المسألة الدينية، وعن خفيات الفلسفة، وله هو فيها سلوك خاص. قيل: إنه التزمه وأخذ نفسه به.
عرضنا هذا الجانب الثاني من آراء الرجل لنستطيع على هديه الإجابة عن السؤال الذي سبق أن وجهناه، بعدما رأينا موقف أبي العلاء في مسألة المعرفة، وتنقله بين الآراء المختلفة فيها جميعا. وهذا السؤال هو: هل لأبي العلاء آراء ثابتة؟ ولعلنا بعد هذا العرض نسمع إجابة أبي العلاء نفسه عن هذا السؤال بقوله:
فقارب وباعد واحب واعل ولا تقل
وقولن وجاهر بالمراد وكاتم
2: 254
فليس لأبي العلاء فيما عرضنا له من الموضوعات رأي ثابت مع أنها أولى ما يثبت له فيه رأي. وليس لأبي العلاء - فيما يثبت الاستقراء المطمئن - رأي ثابت، لا فرق في ذلك بين دين ودنيا، وفن وحكمة وأدب وعلم، وكل الفرق أنه في الشيء الواحد قد يتعادل إثباته ونفيه في كثرة ما يرد منهما، وقد يكون الإيجاب كثيرا والنفي قليلا أو العكس، وليس لهذه القلة في جانب، والكثرة في آخر قيمة في تقدير آراء أديب متفنن؛ لأنه فيما رأينا يطلق القول مثبتا، ثم يطلقه نافيا، فيهدم نفيه المطلق إثباته المطلق، سواء أنفى خمسين مرة وأثبت مرة، أم أثبت مائة مرة ونفى خمسين، فنحن لا نحصي عدد النافين والمثبتين من أشخاص يقترعون، بل نرصد النفي والإثبات من شخص واحد يظن أنه فيلسوف انتهى به بحثه إلى شيء، وأجرى حياته على وفقه، وهو شأن الفيلسوف - على ما سنعرض له بعد - كما أنا لا نحاسبه على أخطاء ارتكبها لنعاقبه، أو نعفو عنه، فتكون القلة أو الكثرة عاملا في تقدير هذه الأخطاء. وإنما نحصي آراء توافقت وتخالفت، على أنك بعد ذلك كله قد قرأت فيما عرضناه من آرائه في المسائل الإنسانية موافقة كثيرة تخالها الأصل، ثم قرأت مخالفة كثيرة تخالها الأصل، فما تدري بأيهما قال، وبأيهما معه تقول؟! وهكذا يستطيع المستقرئ لأقوال أبي العلاء أن ينضد منها ثبتا وجريدة متقابلة، جانب منها للإثبات وجانب للنفي. •••
ولشد ما يعنيني أن أوجه النظر هنا إلى أني إنما عرضت ما عرضت من آراء أبي العلاء في أمس الأشياء به؛ لأبين أن التناقض ظاهرة عامة شاملة في آراء أبي العلاء جميعا، وإنما يعنيني هذا لأن القدماء ثم المحدثين معهم عند النظر إلى تناقضه، والبحث في تعليله، إنما وقفوا عند تناقضه في المسألة الدينية فقط، أو لم يذكروا غيره، فلم يعللوا غيره. ثم لم يتصدوا في التعليل إلا لاعتبارات دينية لا غير!
فقد أثبت تناقضه داعي الدعاة في مناظرته له حول تحريم الحيوان، فقال: إن نظم أبي العلاء في هذا المعنى يناقض نثره، ونثره يناقض نظمه، فكيف الحيلة؟
1
وذكر الباخرزي في الدمية (ص50) اضطرابه بين التدين والإلحاد، وساق الذهبي ذلك وزاد عليه أشياء أخرى كلها ديني.
2
وذكر الصفدي تناقضه عندما تحدث عن المعاد واختلاف أقواله فيه.
3
كما أن من عرض لتناقضه من المحدثين نظر إليه في الأفق الديني، ورجع في تعليله إلى اعتبار ديني لا غير، فلاحظ أنه كثيرا ما يثبت البعث وكثيرا ما ينفيه، وكثيرا ما يثبت الجبر، ولا يكره أن يثبت الاختيار، وكثيرا ما يهزأ بالدين، ثم لا يكره أن يحث عليه، ويعلل ذلك بأنه كان تناقضا مقصودا من غير شك قد ذهب به مذهب اللبس والتعمية قصدا إلى التقية، وهي مذهب معروف.
4
ولكنا قد رأينا تناقضه في حب الدنيا وكراهيتها، ولو أحبها أبدا وكان من أنشط طلابها - كما كان كذلك حينا ما - ما أنكر عليه ذلك أحد، ولو كرهها أبدا ما كفره أحد. وقد تناقض في المرأة فعدها شرا وضرا، وعدها نعمة وجنة، ولو أخذ بأحد هذين الرأيين أبدا ما قاتله أحد. وتناقض حتى في اختيار الميتة التي يموتها؛ فقد عد موت الوغى بضربة السيف سعادة، ثم عد أحسن ميتة الرجل ما كان على فراشه تشتد به العلة ... إلخ. وليس لمثل هذا الرأي يغضب الناس ويحاكمون أحدا حتى يلجأ إلى التقية!