لقد تناقض في كل شيء مما للناس فيه اعتقاد وقول يحترمونه، أو ليس لهم فيه رأي يلتزمونه، فكيف تكون التقية تعليلا لتناقض أبي العلاء فيما لا موضع فيه لتقية أبدا؟ بل إني لأرى التقية لا تصلح أبدا علة لاختلاف أقوال أبي العلاء حتى في الأمور الدينية؛ لأن التقية - كما يصفها المعللون بها - إنما هي اختلاف ظاهر وباطن، طاعة ظاهرة وقلب مخالف، وتوافق ظاهر، وإضمار خلاف، وهذا من التقية مفهوم؛ لأنه إخفاء ما يكره الناس ويغضبون من أجله، أما حين يقول الرجل قولين متخالفين ويعلنهما على السواء، ويجهر بهما معا فإن الناس سيأخذونه بالقول السوء ولا بد، ولن يشفع له عندهم أنه قال قولا حسنا، وبخاصة إذا كانت المسألة مسألة العامة والجماهير، أو مسألة المتعصبين من الفقهاء المرتزقين بفقههم، وهل ترى الناسك الزاهد المعتقد المتبرك به حين يظهر منه الكفر الصراح، ويجهر به سيغفر له الناس هذا ويعتذرون له بخيره الأول؟ كلا. ولعلنا نذكر أنه في محاكمات الزنادقة قد كانت توجه أقوالهم غير الصريحة، وتفسر إشاراتهم غير الواضحة تفسيرا متهما يؤخذون به ويقضي عليهم، فكيف يكون صنيع أبي العلاء من التقية، وقد ظهر منه القول الصريح الكافر الهازئ؟!
وفي كل حال، فسواء أكانت التقية لا تعلل مطلقا تقابل آراء أبي العلاء الدينية أم كانت تصلح لأن تعلل التقابل في الدينيات فحسب، فستظل وراء ذلك تناقضات أخرى وتقابلات كثيرة تحتاج إلى التعليل. وهذا موضع الرأي الذي رمناه في أبي العلاء.
وإني لأحسب أن أبا العلاء نفسه قد شعر بهذا التناقض حين قال:
جهل مرامي أن تكون موافقي
وشكوك نفسي بينهن تعادي
1: 237
وكأنما أراد الاعتذار لهذا التناقض منه أكثر من مرة؛ كقوله:
تناقض في بني الدنيا كدهرهمو
يمضي المقيظ وتأتي بعده القرر
1: 254
أو قوله:
وعالم فيه أضداد مقابلة
غنى وفقر ومكروب ومقرور
5
1: 259
أو قوله:
والملك لله والدنيا بها غير
خير وشر وإعدام وإيجاد
1: 204
أو قوله:
وإن أخا دنياك أعمى يرى السها
عليل معافى ظالم يتظلم
2: 221
فالرجل يحس تناقض الدهر في فصوله المختلفة، وتضاد العالم، وتقابل الأضداد فيه، واختلاف أحوال بني الدنيا، ويشتد عليه الاشتباه فيشكو تضاد الأشياء في الحس قائلا:
ولكل ما أصبحت تدرك حسه
ضد وكبرة من ترى كصغار
1: 343
وكأنه حينما يؤثر هذا التضاد في العقل أثره يقول:
ويعتري النفس إنكار ومعرفة
وكل معنى له نفي وإيجاب
1: 68
وسواء أكان هذا دليلا على أن أبا العلاء قد شعر بهذا التقابل في آرائه، فقصد الاعتذار بمثل هذه الأبيات من قوله ، أم لم يكن قد أراد الاعتذار عن شيء منه، فإن التقابل في آراء أبي العلاء - دينية وغير دينية على السواء - ظاهرة واضحة لا تعللها التقية ولا القصد إلى الاستخفاء، ظاهرة واضحة تحتاج إلى تعليل متسق، ولكنا لا نعرض لهذا التعليل إلا بعد أن ننتهي إلى رأي بشأن ...
| تفلسف أبي العلاء
لنعرف أكان صنيع الرجل فيما دون من آثاره صنيع متفلسف، فنخضع عمله لمنطق العقل، ونحتكم إليه في فهمه ودفع تناقضه، أم كان صنيع متفنن أديب متأمل، فنخضع ذلك كله لمنطق العاطفة والوجدان، ونقدر فيه أثر العوالم النفسية المختلفة؟
وقد لهج المحدثون بتفلسفه، وأسلفنا بعض وصفهم له بذلك، بل إنهم عدوه فيلسوفا إيبيقوريا، ولمحوا نواحي التشابه بين أشياء عنده، وأشياء في المدرسة الإيبيقورية،
1
فلنعرض صنيع أبي العلاء على الفلسفة كما يعرفها إيبيقور هذا حين يقول: إنها هي الحكمة العملية التي توفر السعادة بالأدلة والأفكار.
2
وهو قول لا يفترق كثيرا عن الفكرة العامة في الفلسفة، وأنها دائما هي البحث الحر عن الحقيقة مهما تختلف الاعتبارات في تعريفها.
فإذا ما عرضنا صنيع أبي العلاء في آثاره المختلفة على الفلسفة كما عرفت تبين لنا ما يأتي: