وهل يثق الفتى بنماء وفر
إذا لم تتل أينقه فصال
هذا قول الذي رأى أن الحزم عدم النسل، بل رآه ذنبا لا إقالة منه، والذي رأى النسل فرش هموم الفتى وأذى للوالدين هو القائل من القصيدة السابقة في التهنئة مخاطبا أبا الوليد:
بأن الله قد أعطاك سيفا
عدوك من مخايله يهال
كما يقول:
ستركز حول قبتك العوالي
وتكثر في كنانتك النبال
فإن مناي أن يثري حصاكم
ويقصر عن زهائكم الرمال
وكما هنأ الإنسان بالمولود، دعا للطير العابد لله بسلامة الولد، فقال: وإن كنت عابدا لله فأث ريشك وسلم ولدك (ف429).
وهو في اللزوميات يقدر نفع النسل ويقول: إن خير النسل ما نفع:
خير النساء اللواتي لا يلدن لكم
فإن ولدن فخير النسل ما نفعا
2: 79
ويقدر فضل الابن في حمل العبء عن أبيه ويأمر الولد بذلك:
تحمل عن أبيك الثقل يوما
فإن الشيخ قد ضعفت قواه
والذي رأى خير النساء العقيم هو الذي بارك النسل من المرأة الحصان العاقلة التي عدها نعمة يحسد عليها زوجها؛ إذ قال:
فإن جمعت إلى الإحصان عقلا
فبورك مثمر الغصن الوريق
2: 123
والذي يذكر جناية الأب على الولد حتى لو عقه الولد لكان قد كافأه بسوء صنيعه هو هو الذي يذكر عطف الوالدين على الولد، ويذم منه سوء معاملته لهما، ويضيف صنيعهما الحسن معه، فيقول: وأحسن وأجمل بالذي فعلاه:
ولو بمشار العين يوحى إليهما
لوشك اعتزال العيش لاعتزلاه
يودان إكراما لو انتعل السها
وإن حذيا السلاء وانتعلاه
يذم لفرط الغي ما فعلا به
وأحسن وأجمل بالذي فعلاه
2: 337
والذي عد الاشتغال بالنسل اشتغالا بما لا ينفع هو الذي يعنف من يمن على أبنائه بالنزر، ويلفته إلى صنيع الطير لأبنائها وإعطائها إياها ما في حواصلها:
مننت على أبنائك النزر آسفا
فأنت عليهم كالألد المفاصل
ولم تسع فيهم ليلة سعي متعب
إلى أن يبين الصبح شيبة ناصل
ألم تر زغبا أدلجت أمهاتها
فألقت لها ما حصلت في الحواصل
2: 186
وهو يتحدث عن صنيع القطا في هذا فيصفه في موضع آخر قائلا:
عجبا للقطا من الكدر والجو
ن غدت في عنائها المتواصل
لقطت حبة وجاءت بها الأف
راخ ثم استقت لها في الحواصل
2: 215
وأخيرا فإن أبا العلاء الذي يظن أنه صمم على عد النسل جناية، واختار هذا الرأي من آرائه ليحمله شاهد قبره، ويعرفه به الخالفون بعده من الملمين بمثواه، فطلب - فيما يروى - أن يكتب على قبره البيت المشهور:
3
هذا جناه أبي علي
وما جنيت على أحد
أبو العلاء هذا هو الذي يعد النسل أفضل عمل في هذه الدنيا، ويعد السعي له عملا معقولا، ويقول:
دنياك دار كل ساكنها
متوقع سببا من النقل
والنسل أفضل ما فعلت بها
وإذا سعيت له فعن عقل
2: 206
فهل آثر أبو العلاء العدم، ورأى من الواجب اتقاء الوجود والاجتهاد في قطع سلسلته؟ هذه آراؤه في المجتمع الصغير وهو الأسرة.
وأما ...
| العزلة
ومجانبة المجتمع الكبير، فلم يخلف فيها عادته، فهو يعد المختلط بالناس البر السعيد، ويقول ناثرا: من اختلط بالعالم، وصبر عليهم، وكف نفسه عما يستحسن سواه، فهو البر السعيد (ف270)، كما يشير إلى ضرر العزلة، فيقول: إذ كانت الوحدة تغير المعقول، وتصرف قائلا أن يقول
1
فهو يرخص لمن لا يطيقها أن يزور غبا فيقول:
وإن لم تطق هجران رهطك دائما
فمن أدب النفس الزيارة عن غب
1: 96
والشيخ الذي شعاره «قاطع» هو الذي قال:
ولو أني حببت الخلد فردا
لما أحببت بالخلد انفرادا
فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
سقط 1: 159
فإن يكن هذا ليس من متأخر شعره، فإنه لهو القائل في اللزوميات:
وتدير الأوطان حب وطالما
قنص الحمام على الغصون الميد
1: 235
والذي يأمر بالفرار من الناس هو الذي يرى أن يساعد المرء ضده، ولا خير في الإخوان إن لم تساعد:
إذا جل خطب ساعد المرء ضده
ولا خير في الإخوان إن لم تساعد
والذي يطلب التوحش في بيداء تخلصا من الناس هو الذي يأمر بالمشاركة العاملة في إصلاح الجماعة، ويقول: