تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2: 322

كما أنه وقد بلغت به الرقة أن طلب اتخاذ حذائه من الخشب لا من الجلد حتى لا يذبح الحيوان قد نسي ذلك وأعلن أنه يشرب الماء من الجلد:

شربت بالعسجد عن عزة

ومشربي من خزف أو أدم

2: 77

وأكثر من ذلك كله أن أبا العلاء وقد دفعته رقة القلب إلى تحريم الذبح فكره السيوف والسكاكين والمدى، بل كره الحديد يتخذ منه المرود لسبر الجرح، فنهى عنه، هو أبو العلاء الذي يمجد السيف ويتعشقه، ويحبذ القوة تحبيذا يضعه في صف الشعراء الفرسان - إن شئت - وقد أسلفنا قريبا بعض الشيء عن حبه الفروسية وهو يشيد بالسيف في نثره فيقول في الفصول (297 و298) وصفا للسيف: يهابه الفتى والكهل، وهو لأن يهاب أهل يستنصر به أرباب العقول، وليس بصاحب معقول، وفي شعره يعد السيف الشر النافع كل حين:

وجدت الشر ينفع كل حين

ومن نفع به حمل الحسام

2: 233

والسيف أبلغ واعظ يتكلم:

كلم بسيفك قوما إن دعوتهمو

من الكلوم فما يصغون للكلم

ذو النون إن كان سيف الهند أبلغ من

ذي النون في الوعظ بل من نون والقلم

2: 261

وبالسيف يماط الأذى:

وكم من حسام قد أميط به الأذى

ومارن سمر فيه رغم لمارن

2: 309

وبالسيف تنال المنى:

منى صل حرب نالها بالمناصل

فواصل وقاطع بالرقاق الفواصل

2: 186

وأبو العلاء رام المآرب سفها ولم تكن تنال إلا بالسيف:

رمنا المآرب بالسفاه ولم تكن

لتنال إلا بانتضاء شفار

1: 341

وفي بيض السيوف بياض عيش، هكذا قال الحكيم:

فوارس خيلكم تعطى مناها

إذا دمى نواجذها الشكيم

وفي بيض السيوف بياض عيش

بذلك فاعلموا نطق الحكيم

2: 333

والسيف أصل المكرمات:

فيا هند، وان عن المكرما

ت من لا يساور بالهندواني

2: 328

وهذا الرقيق القلب يصف وقع السيف، ويراه إنما يفرج الضيق بوقوعه في المضيق:

والسيف لا يفرج المضايق أو

يوقعه في المضيق من صقله

2: 178

والعجب أن أبا العلاء صاحب الكلمات في الأديان والعقائد يرى أن السيف هو الذي يثيب الملاحدة إلى الرشد:

تمادوا في العتاب ولم يتوبوا

ولو سمعوا صليل السيف تابوا

1: 70

وهذا المتفلسف المفكر يأمر بقتال الملحدين:

إذا ما ألحدت أمم بجهل

فقابلها بتوحيد السيوف

2: 99

ولو أخذهم السيف ما ألحدوا، فإنما الإلحاد إلحاد السيف عن أن يأخذهم:

رويدك لو لم يلحد السيف لم تكن

لتحمل هام الملحدين هواد

1: 224

وفسدت الشام في عهده كذلك بسبب إلحاد السيف في رأيه:

إذا دنوت بشأم أو مررت به

فنكبيه وراء الظهر أو حيدي

قد غير الدهر منه بعد مبتهج

وألحد السيف فيه بعد توحيد

1: 231

ورابه من السيف هذا الإلحاد وأنه لم يفجع الملحدين برءوسهم منذ أزمان:

هل ألحد السيف أو قلت ديانته

أو كان صاحب توحيد وإيمان

ورابني منه ترك الجاحدين سدى

لم يفجعوا برءوس منذ أزمان

2: 316

وإذا ذكر القتل والقتال في الحديث عن ناسك: المتحوب من الجرح والدم، المبتغي نعلا من خشب لئلا يسلخ الجلد، فاسمعه إذ يقرر أن العيش نهاب ويأمر بالمناهبة:

تناهبت العيش النفوس بغرة

فإن كنت تسطيع النهاب فناهب

1: 100

ويرد المطاعين وهم المطاعون:

رب الجواد قرى عينا لمأكله

فعد من رهط أقوام فراعينا

قل للمطاعيم تعصبهم ضيوفهمو

إن المطاعين يمسون المطاعينا

2: 393

وفارسنا الحبيس لا يكفيه أن يؤثر الموت في الحرب على الموت في الفرش بل هو يعد ميتة الميدان سعادة:

9

من السعد في دنياك أن يهلك الفتى

بهيجاء يغشى أهلها الطعن والضربا

فإن قبيحا بالمسود ضجعة

على فرشه يشكو إلى النفر الكربا

1: 80

وإذا كان له من الشعر ما يعد به بين الشعراء الفرسان حينا فإن له من تحبيذ القوة ما يجعله بين المعدودين من أنصارها، وهو الموصوف بالبرهمة، والقول بعدم إفساد الصورة، وبتحريم ذبح الحيوان، فاستمع لقوله في تمجيد القوة:

ما أوصل السيف قطاعا لحامله

وأبلغ الذابل الموصوف بالخطل

قد وافياك بتاج الملك عن عرض

وأثرياك بحلي الكاعب العطل

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ١٨