ل قلت أساءوا ولم أعلم
2: 273
وهو ينصح للورقاء بالعزلة إن هديت، ولا يقتصر على الإنسان:
وانفردي في بلد عازب
عنا وعيشي ذات بال رخي
1: 190
وهكذا رأى وحدته أنسا واجتماعه بغيره وحشة:
إذا حضرت عندي الجماعة أوحشت
فما وحدتي إلا صحيفة إيناسي
طهارة مثلي في التباعد عنكمو
وقربكمو يجني همومي وأدناسي
2: 31
ونفى أن في الوحدة وحشة وحبذها وذكر مزاياها عنده، وعللها تعليلات مختلفة متنوعة دينية تارة ونظرية طورا ونفسية حينا، وسنعرض لهذا في موضعه.
نظرة في هذه الآراء
هذه آراء لأبي العلاء لعلها هي التي بها اشتهر، وهي خطوط صورته عند الناس، وإنها - كما قدمنا - لآراء في الفلسفة العملية الإنسانية متصلة بحياة الإنسان أشد الاتصال وأقواه، فهل ثبت أبو العلاء على هذه الآراء؟
لننظر قبل الإجابة عن هذا السؤال إلى صورة الرجل من جانب آخر على الترتيب الذي اتبعناه في عرض جانبها الأول ... فأما:
زهد أبي العلاء
فقد أرانا فيه أكثر مما يرينا ناسك في شعاف جبل، وأشهدنا أفضل ما وصفت به أوائل الرهبان ورءوس المتصوفة، فلنجل معه قليلا نقلب من دواوين أدبه صحفا أخرى ... فهذا هو في الغفران (167) ينتقص الزهد فيقول: «وما علمنا هذا
1
النسك موفيا ولا في الأسباب الرافعة مرقيا، والعالم بقدر عاملون أخطأهم ما هم آملون ...» وفي موضع آخر من هذه الرسالة - 182 - يعلن يأسه من النسك إذ يقول: «ولا عنده عن الجبلة، يريد المتنسك أن يصرف حبه عن العاجلة وليس يقدر على ذلك، كما لا تقدر الظبية أن تصير لبؤة، ولا الحصاة أن تتصور لؤلؤة، يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين.» كما أنه في شعره يعلن أنه لا يجد النسك فيبغيه ويقول:
والنسك لا نسك موجود فنبغيه
فعد عن فقهاء اللفظ مراق
2: 122
وما في عالم الأرض زاهد ولا الرهبان أهل الصوامع:
لعمرك ما في عالم الأرض زاهد
يقينا ولا الرهبان أهل الصوامع
2: 82
ويتهم من يظهر الزهد فيرى بعض هذا مما سببه ضعف العقول، وبعضه مما سببه بعد الهمم:
رأيت بني الدهر في غفلة
وليست جهالتهم بالأمم
فنسك أناس لضعف العقول
ونسك أناس لبعد الهمم
2: 280
وهذا هو زهد أولئك الذين طمعوا وعملوا فخذلوا، وعز عليهم الحرمان فتركوا الدنيا ترفعا، وهو يشير بهذا إلى معنى نفسي دقيق، وقد يكون هذا النسك لبعد الهمم هو ما عناه بقوله:
دنياك دار قد اصطلحنا
فيها على قلة الديانه
كأنها قينة خلوب
ما عرفت قط بالصيانه
من لم ينلها أراك زهدا
ومن لعير بصليانه
2
2: 295
ومثله:
خوى دن شرب فاستجابوا إلى التقى
فعيسهمو نحو الطواف خوادي
1: 224
والمعري يحمل عصا النسك كما أسلفنا، ويراها أحمى من رمح عامر، وأشرف من قوس حاجب، لكنه هو الذي يرى أن العلا حظ الأقوياء:
وقد علمت وغيري عن مشاهدة
أن العلا إلف قوم في الوغى ليس
3
2: 37
وأنه فاز الجسور وخاب من لم يجسر:
والعيش جسر نال من هو جاسر
أو كاد فيه وخاب من لم يجسر
1: 331
ولا ينال العلا إلا بأطراف القنا وكعوبه، وضرب الهوادي بالحديد المسمم وما هو من ذلك بسبيل:
زممت المطايا للوجيف ولم تكن
تنال المعالي بالمطي المزمم
ولكن بأطراف القنا وكعوبه
وضرب الهوادي بالحديد المسمم
وجذب رداء يدرج النمل فوقه
لتعميم رأس الهبرزي المعمم
4
2: 253
ومن يكتحل بالسهد في طلب العلا فجائز أن يرى منهاجها:
ومن يكتحل بالسهد في طلب العلا
يجز أن يرى منهاجها باكتحاله
2: 187
وعنده أن السؤدد للشجاع والخطيب حتى في الطير:
ومتى رزقت شجاعة وبلاغة
أوطنت من ربع العلى بمشيد
فالطير سؤددها الرفيع وعزها
قسما على خطبائها والصيد
1: 235 •••
وإن ير النسك لا يكون إلا عن صحة واقتدار، نسك شارخ لا من فات الأربعين، فلكم بكى الشيخ شبابه آسفا في حسرة وحن إليه في لوعة كقوله:
ظمئت إلى ماء الشباب ولم يزل
يغور على طول المدى ويغيض
تراه مع الإخوان لا تستطيعه