وهو يذكر هذا الحزم في شعره إذ يتسمح في الزواج لمن خاف المأثم فينصح له بألا ينسل:
نصحتك لا تنكح فإن خفت مأثما
فأعرس ولا تنسل فذلك أحزم
2: 220
كل على مكروهه مبسل
وحازم الأقوام لا ينسل
2: 164
وليست تلك نصيحته للإنسان فحسب بل إن هديت الورقاء لا تبني وكرا لفراخها كالإنس:
إن كنت يا ورقاء مهدية
فلا تبني الوكر للأفراخ
1: 190
والطيور كلها لو علمت علمنا وشعرت بما هو كائن لما اتخذت لأفراخها أوكارا:
هل تعلم الطير الغوادي علمنا ؟
أم لا يصح لمثلها أفكار؟
لو أنها شعرت بما هو كائن
لم تتخذ لفراخها الأوكار
1: 275
وهو يأمر الطير بألا تفعل:
يا طائر اظعن من الدنيا ولا تكر
للفرخ واعتش للأرزاق وابتكر
1: 315
فالإنسان بذلك أولى ولذا أمره بترك النسل:
دع النسل إن النسل عقباه ميتة
ويهجر طيب الراح خوفا من السكر
1: 305
وقد عد أبو العلاء النسل ذنبا لا إقالة له فيقول:
أرى النسل ذنبا للفتى لا يقاله
فلا تنكحن الدهر غير عقيم
2: 256
وعده جناية على الأولاد مهما يكن مركزهم في الحياة:
على الولد يجني والد ولو انهم
ولاة على أمصارهم خطباء
وزادك بعدا من بنيك وزادهم
عليك حقودا أنهم نجباء
يرون أبا ألقاهمو في مؤرب
من العقد ضلت حله الأرباء
1: 31
ومن هنا كانت خير النساء العقيم:
إذا شئت يوما وصلة بقرينة
فخير نساء العالمين عقيمها
2: 227
والعقم خير للمرأة نفسها لو رشدت:
قد ساءها العقم لا ضمت ولا ولدت
وذاك خير لها لو أعطيت رشدا
ما يأخذ الموت من نفس لمنفرد
شيئا سواها إذا ما اغتال واحتشدا
1: 215
وسبب ذلك عنده - على ما كرره - أن النسل فرش لهموم الفتى:
والنسل فرش لهموم الفتى
والعقل مسلوب من الفارش
1
2: 53
والنسل أذى للأم:
أحاضنة الغلام ذممت منه
أذاك فأرضعي حنشا وضمي
فلو وقفت لم تسقي جنينا
ولم تضعي الوليد ولم تهمي
لهان على أقاربك الأداني
قيامك عن خديج غير تم
2: 265
وهو مع ذلك شقاء للوليد حتى لو أن الابن عق أباه لكافأه على جرمه ضده:
جنى أب دفع ابنا للردى غرضا
إن عق فهو على جرم يكافيه
2: 356
ويقول أبو العلاء: إنه لو كان كلبا لما هان عليه أن يلقى جروه ما يلقى الناس في الحياة:
لو اني كلب لاعترتني حمية
لجروي أن يلقى كما لقي الإنس
2: 13
وما دامت النهاية الموت والنسل عبثا وتربية الأولاد لريب المنون غلط فاشتغل بما عساه ينفع لا بالنسل:
فدونك شغلا ليس هذا لعله
يعود بنفع لا كشغلك بالنسل
أبوك جنى شرا عليك وإنما
هو الضب إذ يسدي العقوق إلى الحسل
2: 184
وتفنن في بيان هذه المعاني فتمنى عقم حواء ولم يهج تفكيره إلا لوم آدم، وما إلى ذلك من بيان شر النسل وخطأ الناسلين.
| الوحدة
وكذلك كان رأيه في المجتمع الكبير - وهو الأمة - رأي النفرة منه والهرب، فقال: «واهرب إلى الفضاء الإمليس من شر الجليس، والله ثاني المنفردين.» (فصول ص152).
وأعلن في الشعر أن شعاره «قاطع» إذا كان شعار تنوخ في القديم «واصل».
فر من هذه البرية في الأر
ض فما غير شرها لك حاصل
فشعاري «قاطع» وكان شعارا
لتنوخ في سالف الدهر «واصل»
2: 216
فالرأي عنده هجران الدنيا وساكنيها:
فالرأي هجرانك الدنيا وساكنها
فأنت من جود هذي النفس منجود
1: 201
وبالغ في العزلة حتى طلبها حيا وميتا فتمنى ألا يشهد الحشر في الناس:
فيا ليتني لا أشهد الحشر فيهم
إذا بعثوا شعثا رءوسهم غبرا
1: 284
وطلب أن يوسد بموضع لم يحفر فيه قبر لأحد وجعل هذا رتبة لقبره حسبها من رتبة:
إذا حان يومي فلأوسد بموضع
من الأرض لم يحفر به أحد قبرا
1: 284
يا جدثي حسبك من رتبة
أنك من أجداثهم معزلا
2: 177
وود لو مات في مهمه لتتهيأ له هذه العزلة:
وددت وفاتي في مهمه
به لامع ليس بالمعلم
أموت به واحدا مفردا
وأدفن في الأرض لم تظلم
وأبعد عن قائل لا سلمت
وآخر قال: ألا يا اسلمي
أحاذر أن تجعلوا مضجعي
إلى كافر خان أو مسلم
إذا قال ضايقتني في المحا