تظاهر أبلاد الرزايا بظهره
كشجيه فاعذر عاجزا يتبلد
1: 191
بل لم تقف شفقته عند المستأنس من الحيوان إنما تجاوزته إلى الوحش والهوام، فنهى عن طرد الوحش نفسه:
لا تطرد الوحش فما يلبث ال
مطرود في الدنيا ولا الطارد
1: 212
وكره قتل البرغوث (فصول 356) وعد تسريحه إياه خيرا من درهم تعطيه لمحتاج، وسوى بينه وبين الملك في حب الحياة:
تسريح كفي برغوثا ظفرت به
أبر من درهم تعطيه محتاجا
لا فرق بين الأسك الجون أطلقه
وجون كندة أمسى يعقد التاجا
كلاهما يتوقى والحياة له
حبيبة ويروم العيش مهتاجا
1: 168
هذا زهد أبي العلاء وطعامه وصلة ما بينه وبين الحيوان أعلاه وأدناه، وإحساسه لآلامه فكيف نظره هو إلى الحياة؟
| كراهته الحياة
لقد انصرفت نفس أبي العلاء عن الحياة وبرم بها ناثرا وشاعرا، فقال: إني بالحياة لبرم
1 ... ما البقاء إلا طول شقاء، والحياة ظلمة ليس فيها إياة
2
وفي شعره يقول: إن البقاء رزء:
بقائي في الدنيا على رزية
وهل أنا إلا غابر مثل ذاهب
1: 100
والدعاء له بطول البقاء إنما هو دعاء عليه:
دعا لي بالحياة أخو رداد
رويدك إنما تدعو عليا
2: 363
وحب الدنيا غرور:
وحب الأنفس الدنيا غرور
أقام الناس في هرج ومرج
1: 171
وحبها أس إمامة الجهل:
وحبك هذي الدار أس إمامة
لجهلك والبادي على باطن ستر
1: 245
ومحبها رهين ذلة وصغار:
ومن هوي الدنيا الكذوب فإنه
رهين بثوبي ذلة وصغار
1: 311
وتفنن في التنفير من المعيشة والبقاء، فالعيش علة، والردى هو البرء منها:
وما العيش إلا علة برؤها الردى
فخلي سبيلي أنصرف لطياتي
1: 146
والعيش حرب يضع الحمام أوزارها:
والعيش حرب لم يضع أوزارها
إلا الحمام وكلنا أوزار
1: 273
وهو في الحياة عان تفك المنية إساره:
ومن العجائب أنني عان بها
أرجو المنية أن تفك إساري
1: 340
وقد طال بالحياة وقوفه وراء الجسر ينتظر العبور:
طال وقوفي وراء جسر
وإنما ينظر العبور
1: 261
عبر الناس فوق جسر أمامي
وتخلفت لا أريد عبورا
1: 302
والحياة صوم ويوم الممات عيد:
صمت حياتي إلى مماتي
لعل يوم الحمام عيد
1: 205
أنا صائم طول الحياة وإنما
فطري الحمام ويوم ذاك أعيد
1: 208
طال صومي ولست أرفع سومي
ووفودي على المنية فطر
1: 280
وكم تمنى في الحياة حال الجماد لا يحس ولا يشتهي:
عز الذي أعفى الجماد فما ترى
حجرا يغص بمأكل أو يشرق
متعريا في صيفه وشتائه
ما ريع قط لملبس يتخرق
متجلدا أو خلته متبلدا
لا دمع فيه بفادح يترقرق
لا حس يؤلمه فيظهر مجزعا
إن راح يضرب ملطس أو مطرق
3
لم يغد غدوة طائر متكسب
وافاه يلقط أجدل أو زرق
4
2: 109
أما الجماد فإني بت أغبطه
إذ ليس يعلم إما زاد أو محقا
لا يشعر العود بالنار التي أخذت
فيه ولا الأصهب الداري إذ سحقا
2: 115
أجسما فيه هذي الروح هلا
غبطت لفقدها الألم السلاما
2: 349
تمنيت أني من هضاب يلملم
إذا ما أتاني الرزء لم أتلملم
2: 252 •••
وأبو العلاء لم يفته التفكير في الانتحار، فهو يقول: لو أمنت التبعة لجاز أن أمسك عن الطعام والشراب حتى أخلص من ضنك الحياة، ولكن أرهب غوائل السبيل (ف360).
وذكر مثل هذا في الغفران (124) فقال: قد كدت ألحق برهط العدم من غير الأسف ولا الندم، ولكنما أرهب قدومي على الجبار ولم أصلح نخلي بإبار ... ويذكر بعد ذلك رأي بعض الحكماء في مخالفة هذا، وحكمة الله في حجز الرجل عن الموت؛ لئلا يرغب كل من احتدم غضبه في الموت، (انظر 124، 125).
ويعود إلى فضل الموت بعد يسير (ص127) فيقول: وإن رمس الهالك لبيت الحق وإن طرق بالملم الأشق على أنه يغني الثاوي به بعد عدم، ويكفيه المؤنة مع القدم، وإن الجسد لمن شر خبء يبعد من سبي وسبء، قال الضبي:
ولقد علمت بأن قصري حفرة
ما بعدها خوف علي ولا عدم
فأزور بيت الحق زورة ماكث
فعلام أحفل ما تقوض وانهدم
2: 277
وما زالت العرب تسمي القبر بيتا، وإن كان المنتقل إليه ميتا، قال الراجز: