تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى هنا، من الحديث عن منهج البحث في هذا الموضوع، رأيتم أن صعوباتنا اللغوية قد تعرض لتذليلها الجيل السابق، أو الأسبق - على بساطة حظه من التجدد - فتحدث عن خطة حرة أو متطرفة، رأينا هنا ألا نأخذ بشيء منها، وتركناها إلى خطة تتأخر عنها خطوة إلى الوراء، بل ربما تأخرت خطوات، فنظرنا إلى أصول النحو كيف أصلها النحاة وأسسوها، وإذا هم قد انتزعوها من أصول الفقه انتزاعا، وإذا أصحاب الفقه اليوم يعملون رسميا لمسايرة الحياة، فقلنا: «إن ما صنعه أصحاب الفقه يتخذ مثله في النحو لتذلل صعوباته، مع ما بين النحو والفقه من فروق، توجب ذلك في النحو أكثر وأقوى وأسبق مما توجبه في الفقه.» وحل لنا اتخاذ هذا الدستور الشرعي للتجديد النحوي، على أن هذه لا تكون منا إلا خطوة محافظة، بل مقلدة لا محافظة فحسب.

لكن ما رأيكم في أنه حتى هذه الخطوة لا نخطوها هنا، بل نرجع إلى ما وراءها أيضا، فإذا كان أصحاب الفقه قد حوروا فلا نحور نحن! وإذا كانوا قد لفقوا فلا نلفق نحن! وإذا كانوا قد التمسوا الحلول حيثما وجدت في غير كتب النحو، فلا نلتمس شيئا من ذلك نحن! بل نلزم أصول النحو بنصها، ونقف عند منطوقها، ونبتغي الحلول من عباراتها! وهو اعتدال جامد، أو هو أكثر من ذلك حقا، فلا يخشى عليه اعتراض فيما أظن.

وعلى هذا الأساس، سنعرض عليكم الرأي والاقتراح، بعد أن تسمعوا قبله عبارة النحويين في أصولهم، وأنها تحله في غير لوم ولا تثريب. •••

والآن وقد أحجمنا عما تقدم إليه الجيل الأسبق قبلنا، ثم تأخرنا عما تقدم إليه أصحاب الفقه حولنا، لا نظن أن حولنا عناصر للرجعية أكثر من ذلك تأخرا، فلننظر بعين هذا الاعتدال الجامد في: (7) حياتنا اللغوية

وإذا قلنا: حياتنا اللغوية، فإنا نقدر تقديرا صحيحا أن حياتنا هذه اليوم إنما هي ثمرة ونتيجة لذلك الماضي الطويل الذي تعرضت فيه اللغة العربية لعوامل ومؤثرات اجتماعية متنوعة، ورحلات وانتقالات بعيدة المدى، وصراع مع لغات أخرى انتصرت فيه حينا وهزمت حينا، وتأثرت ببيئات طبيعية متغايرة، وبيئات معنوية متعددة، فترك فيها كل ذلك وما إليه آثارا في كيانها، وفي علومها، وفي طرق تعلمها، ولا بد لمن أراد فهم المنهج النحوي فهما صحيحا، من التعرض لدرس هذا الماضي السحيق كله، وتتبع آثاره، والتفهم التفصيلي لتلك المؤثرات، فلعله بعد ذلك الدرس يفهم من غوامض هذا المنهج وخفاياه حقائق كثيرة، ويتبين من نواحي خطئه وطرق تحريره ما لا يستطيعه قط المتناول المستعجل، وفي العزم إن شاء الله أن نفرغ لهذا الدرس بعد الآن لنحكم على هذا المنهج حكما دقيقا، ونتحدث في تغييره وتصحيحه، مما يقوم على واقع الحياة وقول التاريخ وسنة الاجتماع.

أما هنا فغرضنا عملي قريب، لا يضيره الإغضاء عن هذا المنهج، ولا يفسده التزام أصوله التي أشرنا إليها، راجين مع هذا الاحترام والالتزام أن نزيح صعوبات ذاتية يعرض لها متعلم العربية في كل دور من أدوار هذا التعلم، وإن كنا سنعنى هنا بغير المتخصصين في علومها المتفرغين لها، تاركين أولئك المتخصصين يعانون تلك الصعوبات إلى أن يكون القول في المنهج قولا علميا تاريخيا، يتم به التغيير البطيء لهذا المنهج إن واتت عليه الحياة العامة والخاصة، فيغير إذ ذاك أصحاب العربية المختصون بها من أسس مقرراتها وأصول دراستها بقدر ما يستطيعون من ذلك التغيير.

أما الآن، فالحديث عن متكلمي العربية ومتعلميها كافة. •••

ونؤثر قبل أن نعرض لما نريده من غرض عملي أن نصف في إجمال موجز المحاولات التي بذلت في سبيل إزالة تلك الصعوبات، لنهتدي بالنافع منها، ونتقي ما ينقصها فيما نبتغيه.

وتبدأ المحاولات لتذليل صعوبة تعلم العربية واستعمالها، مع النهضة الشرقية الحديثة، ولعلها في مصر تظهر مع «محمد علي باشا»، ولعل أصحاب هذا العهد وما تلاه لم يضعوا مسألة اللغة موضع الدرس النظري والتدبير، بل سلكوا فيه خطوات عملية ذللوا بها ما واجههم، ودفعوا اللغة إلى الاستجابة لمطالب النهضة العلمية والحربية والصناعية التي ظهرت في الوادي، فأحيوا ألفاظا وأساليب واصطلاحات، وحاولوا من ذلك ما حاولوا حتى أخرجوا ذلك النتاج القيم في الميادين المختلفة، عربي الصورة إلى الحد الذي استطاعوه، مع مزاحمة التركية لها، وجمود العربية نفسها إذ ذاك.

هذا النحو · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا النحوص ٥