تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت له في سؤالي: «... أعرف أنكم أعددتم في اللجنة التحضيرية للتشريع الجديد - في الأحوال الشخصية - مذكرات في هذا التشريع، فأرجو أن تتفضلوا ببيان علمي واف عن «الدستور» الذي اتبعتموه في اختيار الأقوال والآراء الفقهية، ولكم الفضل والشكر.»

فتفضل بإجابة كتابية موقعة منه، ألخص منها هذا الدستور محتفظا بعباراته نفسها لتروا ما فعل أصحاب الأصول التي حملت عليه أصول النحو حملا. (5) دستور شرعي للتجديد النحوي

فقد قال: إن اللجنة التحضيرية التي تقوم بإعداد المشروعات الفقهية - وهو أحد أعضائها الثلاثة - قررت مبادئ أقرتها فيما بعد اللجنة العامة، وتلك الأصول هي: (1)

أن الشريعة جاءت لمصالح العباد، وأن الدين يسر، وأن المشقة تجلب التيسير، وأنه كثيرا ما أخذ المتأخرون بالقول المرجوح واعتمدوه لتغير الزمان أو الأعراف، أو لأنه أرفق بالناس، وعلى هذا الأساس سارت اللجنة في عملها على النظام الآتي: (2)

أن تجمع الآراء من الكتب الفقهية كلها، بل من غير كتب الفقه أيضا ككتب السنة والتفسير، ولا تعتمد على المنصوص عليه منها صراحة فحسب، بل يعتمد على المنصوص، وعلى ما يؤخذ منه، ومن علله، وعلى القواعد العامة المذهبية، والقواعد التي أقرها جمهور الفقهاء. (3)

ألا تتقيد بمذهب واحد في مسألة بعينها، «بل ينتزع حكم المسألة الواحدة من مذهبين أو أكثر، ولا تتقيد بما نص على أنه القول الأصح أو الأرجح في مذهب من المذاهب، بل يؤخذ بالمرجوح وبه يفتى ويقضى.» (4)

أن تتخير أكثر الأقوال ملاءمة للمصلحة العامة، مراعاة لما يوافق حاجة الأمة ويساير رقيها الاجتماعي، على ضوء التجارب القضائية، وما وقفوا عليه من الشكاوى الحقة.

فإذا ما سمع حديثنا عن «هذا النحو» من يرى الاتباع خيرا من الابتداع، ومن يحمي قواعد هذا النحو من كل يد متناولة، فهل تراه سيدعي للنحو قدسية دينية؟ وهل تراه سيجعل تغير النحو عسيرا كتغير الفقه، ويلحق النحو بالفقه في هذا كله مهما تكن مبالغته وتطرفه؟! وهبه سيفعل هذا كله على بعده، فإنا نقول له: إنا لن نطلب في هذا النحو أكثر مما فعل أصحاب الفقه في الفقه، وهو أصل لهذا النحو في تفكير أصحابه، كما سمعنا قولهم في ذلك، وها هم أولاء الفقهاء، وقد مهدوا لنا سبيلا لا بدع بعد ذلك في أن نسلكها، وحيث كان الأمر على ما سمعت من الدستور الشرعي، في تناول الفقه وإعداده للتشريع المساير للحياة، فإن من الحق الذي يقره المحافظ المتبع، بل الجامد الراكد، أن نتبع تلك القواعد الإجمالية في تهذيب هذا النحو، فنقرر: (أ)

ملاحظة التيسير والرفق، ولا نقول: إن البلوى بالنحو أعم من الفقه وأشمل، بل حسبنا أن يساوي النحو الفقه في ذلك، وإن كان من الناس غير قليل يستطيعون الاستغناء عن الرجوع إلى هذه المحاكم الفقهية، وليس فيهم واحد فرد لا يعرض للمشكلات اللغوية الكلامية، «وبخاصة حينما نعطي الناس جميعا» حقهم الفطري في التعلم، ومجاوزة الأمية، واستعمال لغتهم في الحياة قراءة وكتابة وكلاما. (ب)

جمع كل ما يوجد من المذاهب النحوية، حيثما وجد، والتوسع في فهمه دون وقوف عند نصوصه. (ج)

عدم التقيد بمذهب نحوي واحد في مسألة بعينها، وعدم التقيد بالأفصح أو الأرجح أو الأصح الذي نصوا عليه. (د)

تخير ما يوافق حاجة الأمة، ويساير رقيها الاجتماعي على ضوء التجارب العملية والخبرة التعليمية والشكاوى الحقة من المصاعب اللغوية.

وليس من الابتداع في شيء مطلقا أن يأخذ بهذه الأصول في اللغة والنحو، أشد المحافظين، بل المتعنتين، بعد الذي سمع أن أصولها محمولة حملا على أصول الشريعة، وأن هذا ما أقرته أصول الشريعة، وأصدرت على أساسه قوانين اعتمدتها السلطة التشريعية المصرية، ولم يرتفع صوت ما بمعارضة أصول هذا التشريع، مع الفرق الهائل، بل البون الشاسع بين الفقه والنحو من حيث الصفة الدينية، والحل والحرمة في الأول، وعدم ذلك تماما في النحو، ومع شدة صلة اللغة بالحياة، ومسايرتها إياها مسايرة قهرية، لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها، وهو ما لا يتوافر للشريعة بهذه القوة. (6) اعتدال جامد

هذا النحو · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا النحوص ٤