تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم صارت مسألة اللغة موضع البحث والتدبير في مثل محاولة علي مبارك باشا إنشاء مدرسة خاصة بهذا لتهيئ معلمين للغة غير الذين كانت تعرفهم من الأزهر، ومنذ ذلك العهد عملت المعاهد التي أنشئت حول الأزهر، ولا سيما دار العلوم، على تذليل صعوبات العربية، وربما كانت الصعوبات الخارجية أو الشكلية أكثر ما وجهت العناية إليه، أو ما سمح بتوجيه العناية إليه وتناوله بالتغيير، فأصلحت طريقة تعليمها مثلا، واستعين فيها بما ترشد إليه أساليب التربية الحديثة قدر المستطاع، ووضع الكتاب الأقرب مأخذا، والأصلح شكلا في عرض قواعد اللغة، فأزاحت تلك الأعمال شيئا من الصعوبات، ولكن ظل صراخ الشاكين يرتفع في كل مناسبة، كما ظلت قواعد النحو نفسها في جوهرها وصورتها على ما كانت عليه في الكتب الأولى، وكما أسست على أصولها الأولى، فيما اتخذه النحاة منها، نقلا عن أصول الفقه، أو تأثرا بغير ذلك من مؤثرات وجهتهم في صنيعهم، بقيت تلك جميعا لم يفكر أحد في أن يمسها أو ينال منها شيئا ما قليلا أو كثيرا.

ثم عمل الزمن عمله، وتأثرت الحياة اللغوية بما حولها من مؤثرات التجدد، فجعلنا نسمع الكلام عن قواعد النحو نفسها وعمل النحاة فيها، ومنهجهم في ذلك، وجعل الدارسون ينظرون إليها بعين ناقدة، لا تغضي أمامه إجلالا ولا هيبة، وجعل يرتفع الصوت بذلك، فيما سمعنا من عناوين مثل: إحواء النحو، وتيسير النحو، وما أشبه ذلك، مما نحاول أن نصفه قبل الإشارة بشيء غيره، انتفاعا بما فيه كما قلنا، واتقاء لما نقصه، فلم يحقق الرغبة الملحة في تذليل العربية وتطويعها للحياة والاستعمال. (8) في تيسير النحو

فأما إحياء النحو، فما نحتاج إلى الوقوف عنده لأن صاحبه - أكرمه الله - قد صار فيما بعد سادس خمسة كلفوا رسميا تيسير النحو، فجاء في ذلك بكل ما استطاع أن يكون له أثر عملي يذلل من قسوة هذا النحو، فنظرنا في هذا التيسير يغني عن القول فيما قبله.

وقد كان هذا التيسير عملا مرجو النجاح، إذ أتيحت له المعونة الحكومية والقوة الرسمية، فصدر قرار وزاري سجل الشكوى من هذه الصعوبة، وقال:

بما أن الوزارة سبق لها أن عملت على تبسيط قواعد النحو والصرف والبلاغة، فيما أخرجت من الكتب، وكان لهذا العمل نتيجة مرضية، وبما أن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة في الماضي لم تكن كافية؛ إذ إنه لوحظ أن صعوبة قواعد النحو والصرف والبلاغة لا تزال قائمة، وأن المعلمين والمتعلمين يبذلون جهدا كبيرا ووقتا طويلا في تعليمها وتعلمها، ولا يصلون بعد هذا كله إلى نتائج تتفق مع ما يصرف من زمن وجهد.

وحدد هذا القرار الوزاري مهمة اللجنة

11

التي ألفها، بأنها: «البحث في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة - كما سماها التبسيط الجديد - وطلب الأسس التي تشير اللجنة بوضع قواعد النحو والصرف عليها، وقد أعدت اللجنة تقريرها في ذلك، وطبعته الوزارة وأذاعته.»

ومما نحمده لهذه اللجنة أنها تمثلت حاجة الأمة اللغوية تمثلا واضحا؛ إذ قالت: «ولن تكون اللغة العربية الفصحى، لغة حية خصبة حقا، إلا إذا شاعت بين الناس على اختلاف طبقاتهم وأصبحت أداة يصطنعونها لتأدية أغراضهم المختلفة في يسر وإسماح، وفي غير مشقة وجهد» (ص42، س7، 8).

وثاني ما نحمد لها أيضا اهتمامها بالعامل الاجتماعي الذي يزيد من صعوبة تعلم العربية واستعمالها على الوجه الذي رأته اللجنة؛ إذ قالت: «... لأن الشباب لا يتعلمون هذه اللغة كما يتعلم الشباب في الأمم الأخرى لغتهم، هم لا يسمعونها في البيت، وهم لا يسمعونها في البيئة التي تحيط بهم، ثم هم لا يسمعونها في المدرسة إلا أثناء درس اللغة العربية» (ص2، س20). وحين قالت: «... ويجب أن نلاحظ أن الشاب الإنجليزي أو الفرنسي إنما يحسن لغته، ويتقن النطق بها والتصرف فيها لأنه يسمعها صحيحة في البيت وخارج البيت، ويسمعها صحيحة في المدرسة بنوع خاص، فقد تتأثر لغة البيت ولغة الشارع ببعض اللهجات العامية، وقد يكون لهذا تأثير في لغة التلميذ، ولكن المحقق أن اللغة الصحيحة وحدها هي المسيطرة على التعليم الحديث داخل المدرسة؛ والشاب الفرنسي أو الإنجليزي لا يسمع اللغة الصحيحة في درس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية فحسب، ولكنه يسمعها في درس التاريخ والجغرافيا، وفي درس الطبيعة والكيمياء، وفي درس الرياضة أيضا» (ص3، س17 وما بعده).

هذا النحو · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا النحوص ٦