5
وقول ابن جني: هذا - في صلة النحو وأصوله بالفقه وأصوله - أكثر مما روينا وأوضح؛ إذ ينقل عنه أنه قال في «الخصائص»: «أعلم أن أصحابنا انتزعوا العلل من كتب محمد بن الحسن، جمعوها منها بالملاطفة والرفق».»
6
وفي كل حال، فإن الصلة بين الأصلين، وحمل أصول النحو على أصول الفقه مما استقر أمره في نظر الأقدمين على ما نقلنا، وإن زاد ابن جني على هذا أصول المتكلمين وضمها إلى أصول الفقهاء،
7
ورأى أن علل النحاة أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين،
8
وجعل عللهم في منزلة بين التعليلين: الكلامي والفقهي، فهي متأخرة عن علل المتكلمين، متقدمة علل المتفقهين.
9
وما نقف هنا لنرى رأيا في فقهية هذه الأصول النحوية، أو كلامية العلل النحوية، فربما اطمأننا إلى غير ذلك كله حينما نعرض للبحث النظري فيه تحقيقا للمنهج النحوي وما حوله، وإنما مهمتنا هنا - كما قدمنا - عملية، نلزم النحاة فيها بقولهم، وأول هذا أن نسجل عليهم ما التزموه وقرروه، من حمل أصول اللغة على أصول الشريعة حملا، وأخذها منها أخذا، بل نقدر مع ذلك أنهم تحروا تأليف كتبهم في النحو على غرار ما ألف الفقهاء في فقههم،
10
فننظر أولا مكان: (3) اللغة والشريعة في الحياة
من حيث اتصال كل واحدة منهما بهذه الحياة، ثم من حيث تأثر كل واحدة منهما بها.
فكل من الشريعة واللغة مظهر قديم من مظاهر حياة الجماعات البشرية، ثم اللغة من أقدم هذه المظاهر - إن لم تكن أقدمها - في تقدير أصحاب الاجتماع، وهما متصلتان بالحياة العامة اتصالا وثيقا، بل عنيفا، وربما كانت اللغة في هذا المعنى أشد وثاقة وأقوى ارتباطا؛ لأن بعض التشريع قد يغني عنه القانون الخلقي، ولا غنى لجماعة متقدمة - إلى الآن - عن اللغة، والشريعة تنظم ناحية من نواحي معايش الناس، على حين تتصل اللغة بكل النواحي.
وأما من حيث تأثر الشريعة واللغة بالحياة وواقعها، فإنا نعرف أن الشريعة تعتبر العرف، وهو تركز اجتماعي بطيء التكوين بطيء التغيير، فهي إن لاءمت الزمان والمكان وجعلت أحكامها تناسبهما، إلا أنها في ذلك بطيئة الخطى بطيئة التغيير نوعا ما، ولعله بهذا انخدع الفقهاء حين أقفلوا باب الاجتهاد، وتصوروا أن يجعلوا إقفاله أبديا.
أما اللغة فهي - على ما سمعتم من قول الاجتماعيين عنها - أشد المظاهر الحيوية لينا وأقلها تصلبا وتحجرا، وأطوعها للتطور. وقدماؤنا أنفسهم يدركون هذا واضحا حين يتحدثون عن تهذيب اللغة وعوامله، وحين يقررون أن الاستعمال يحيي ويميت، ويقبح ويحسن، وحين يصفون تداخل اللغات وتحول اللسان، وما إلى ذلك من دلائل الشعور بتأثر اللغة بالحياة تأثرا قويا.
وإذا ما كانت تلك هي صلة كل من الشريعة واللغة بالحياة، وحظ اللغة منها أقوى، ثم إذا ما كان هذا مدى تأثر كل من الشريعة واللغة بالحياة، ونصيب اللغة منه أوفر وأظهر، فإن من حقنا حين نحاول شيئا من تطويع اللغة للحياة أن ننظر أولا في: (4) صنيع أصحاب الفقه اليوم
إذ الواقع قد أجبرهم على صنوف من التدرج والمسايرة، بحكم قاس لا يرد، فنظروا في قواعد التصحيح والترجيح عندهم، وخطة اختيار المذاهب والقضاء بها، وهي القواعد التي تتبعها النحاة تتبعا، وقد قدم الفقهاء من ذلك ما غيروا به التشريع في الأحوال الشخصية، وكانت لهم في هذا محاولات متفرقة، آخرها - وقد يكون أوسعها - صنيع لجنة الأحوال الشخصية التي مضت عليها أعوام تباشر عملها، وقد أخرجت منه ما أصدرته الحكومة قانونا بعدما أقره البرلمان، وهيأت قدرا آخر للإصدار.
وقد آثرت ألا أقول في هذا شيئا من عندي، وإن كنت أستطيع هذا القول، فوجهت سؤالا كتابيا في ذلك إلى أحد أعضائها المحترمين، ليجيب عنه كتابة أيضا، ولعله من حسن الاتفاق أن هذا العضو المحترم هو صاحب مقال «اجتهاد عمر» الذي صدرت هذا الحديث بالإشارة إلى ما كان من أمره، وما انتهى إليه الحال من جعل المحرم بالأمس تشريعا اليوم، وهذا العضو هو حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري، الذي تعرف اللجنة له في عملها أثرا محمودا ونشاطا بارعا.