36
وقول عمر رضي الله عنه: «يا رسول الله، كيف يسمعوا؟! وأنى يجيبوا؟!» دون نون، وإذا لم تحتجوا بالحديث مع المحتجين فبحسبكم القرآن وقراءته، وقد سمعنا قاعدتهم في الاحتجاج بالقراءة دون خلاف بينهم في ذلك، وقد ورد هذا الوجه في الشعر مثل قول القائل: «أبيت أسري، وتبيتي تدلكي»، بدل «تبيتين، وتدلكين»، وبهذا قد انتهت أصولهم إلى حذف هذه النون رفعا كحذفها نصبا وجزما.
واسمحوا لي هنا أن أحدثكم عن شيء مما عاق انتفاع القوم بمثل هذه الأوجه في تيسير اللغة للحياة؛ ذلك أن السيوطي الذي ساق هذا في كتابه «همع الهوامع على جمع الجوامع» يقول بعده: «ولا يقاس على شيء من ذلك في الاختيار.» فيردده الصبان في «حاشيته» من قولة مطولة في حذف هذه النون من الفعل المرفوع، ويمضي على أن هذا لا يقاس عليه في الاختيار كما قال السيوطي قبله، مع أن الصبان نفسه بعد هذا بصفحتين عند ذكر حذف ياء المنقوص في النصب على ما بيناه، وإيراد الأشموني قول المبرد إن تسكين هذه الياء في النصب من أحسن ضرورات الشعر، يعلق صاحبنا في «حاشيته» قائلا: والأصح جوازه في السعة، بدليل قراءة جعفر الصادق: «من أوسط ما تطعمون أهاليكم»، فلماذا كانت هذه القراءة دليل الجواز في السعة على الأصح، ولم تكن قراءة: «ساحران يظاهرا» دليل جواز حذف النون في السعة على الأصح؟! وإذا كان السيوطي قد نقل عدم القياس في الاختيار وهو يجمع؛ لأنه لم يتكلف التحري، فلماذا غفل الصبان وهو يحشي ويعلق وينقد عما خطته يده قبل ذلك بقليل؟! وإن لم يكن لواحد منها عذر؛ لأن القاعدة كما نقلها السيوطي نفسه في «الاقتراح»، هي الاحتجاج مطلقا، وقد عقب عليها السيوطي بقوله عن نفسه: «وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة، لا أعلم فيه خلافا بين النحاة!» أهو الإلف والتقليد يصرف الشخص عن تأمل ما قرره، ويرده عن استعمال حقه العقلي؟ هو هكذا غالبا.
وأما قواعدهم فتخرج في جلاء حذف نون الأمثلة الخمسة رفعا ونصبا وجزما، وهو تخفيف مريح، فيه اختصار أيضا. (ب)
المضارع المعتل الآخر، ويحذف آخره في الجزم. وقد قال بعضهم: إنه يجوز في سعة الكلام، وإن لغة بعض العرب إبقاء هذه الحروف مع الجازم.
37
وقد قرئ في القرآن: «لا تخف دركا ولا تخشى»، «إنه من يتقي ويصبر». وهذا القدر من القراءة القرآنية، ومن أنه لغة، كاف لإبقاء الفعل المعتل دون حذف شيء منه رفعا ونصبا وجزما إراحة من الاضطراب الإعرابي، وتكون المعتلات الأواخر أسماء وأفعالا باقية بحالها، لا يعنت بها متكلم ولا كاتب. •••
تلك نواح من علاج صعوبة اضطراب الإعراب، أضعها بين يدي الباحثين الصادقي الرغبة في جعل اللغة مادة للتفاهم الحيوي، لا يبذل فيها المتفاهم عناء وجهدا هو أحوج إلى أن يوفرهما لما يريد أن يقوله وينقله من المعاني والأفكار، ولا تنسوا ما كررته من أني إنما أتحدث بهذا إلى الذين ليس عملهم في الحياة الاشتغال باللغة وأوجه إعرابها من سائر الطبقات العالمة والعاملة في الشعب.
ثم ننتقل بعد ذلك إلى النظر في الصعوبة الثالثة، وهي: (13) اضطراب القواعد
إذ إن أساس القاعدة الضابطة هو الاطراد والعموم، الذي يهون به على الذهن تمثل الأصل الشامل تمثلا يرجع إليه في التطبيق والاستعمال. فإذا ما كانت القاعدة ذات شعب وصور، ثم ذات خلاف وآراء، فقد فقدت أخص صفاتها في الضبط الجامع، وانتشر الأمر، واللغات بعامة قد تكثر قواعدها وضوابطها، لعدم سهولة تركيزها، نظرا لما خلفته فيها المرونة ومسايرة الحياة ومطاوعة اللسان من تغيير على ما يتبينه من ينظر في المنهج اللغوي نظرا محققا.
لكن لغتنا الفصحى فوق ما لها من هذه الكثرة في القواعد، تزيد على ذلك بما فيها من اضطراب القاعدة في الكلمة الواحدة أو التعبير الواحد، لتعدد الصور والمذاهب والخلافات التي تصل إلى حد التباين العجيب، وحسبنا مثلا لذلك أن «لم» وهي شهيرة في عمل الجزم الخاص بالأفعال، على ما نعرف لا يتسق فيها ذلك ولا يثبت، بل يتفرق فيها القول تفرقا يتناول كل احتمال ممكن، فهي أحيانا لا تجزم حملا لها على ما أو لا، فيرفع الفعل بعدها، ثم هي حينا تنصب في لغة، ويقرأ في القرآن: «ألم نشرح»، فيما نقلوا.