الجمع بألف وتاء، ينصب بالكسرة حين يجر ما لا ينصرف بالفتحة، وهي مقابلة متعبة، مهما يجهد الأقدمون في الكلام عنها ويلتمسوا لها علة.
28
ويتعلق القدماء والمحدثون بأشياء في توجيه هذه المخالفة في الحالتين: والقول في مثل هذه الأشياء باعتبارات نظرية عقلية يعد من الإخلال القبيح بالمنهج اللغوي، وهو مع ذلك قول متهافت تهافتا واضحا، ألا ترونهم في هذا الجمع بألف وتاء يحاولون حمله على جمع المذكر السالم في الجر والنصب معا بالياء، ويكدون ليخرجوا من هذا أصلا في العربية مقررا، على حين أن جمع المذكر نفسه قد سمعنا قريبا أنه قد يطرد إجراؤه مثل «حين» في الإعراب على النون مع الياء، كما أن من العرب من يلزمه الواو ويعربه على النون
29
كزيتون، فالأصل المقيس عليه نفسه لم يسلم له في العربية أمر مقرر حتى يجهد المخلون بالمنهج اللغوي أنفسهم في مثل هذه الأقوال، ويضيعوا فيها وقتهم.
على أن هذا الجمع بألف وتاء لم يسلم فيه للعربية أصل مقرر في نصبه بالكسرة، فإنك لتقرأ في أكثر كتب النحو تداولا قولهم: وقد أجاز الكوفيون نصب هذا الجمع بالفتحة مطلقا؛ أي سواء أكان جمعا لما حذفت لامه أم لا.
30
وأصولهم التي أكثرنا من الإشارة إليها تجيز الاستعمال، وإن كان لا بد من سجع لننصب هذا الجمع بالفتحة سجعنا، فذلك أهون من النصب بالكسرة والجر بالفتحة. (ه)
ما لا ينصرف، وهو - كما نعرف - يجر بالفتحة، ويجهد في تعليله على غير طائل أولئك الذين يخضعون اللغة للفروض النظرية، على حين هي ظاهرة اجتماعية يشرق بها الواقع ويغرب، ويتيامن بها اللسان ويتياسر من غير ضبط ذهني ولا قواعد نظرية. وما بنا هنا أن نصحح المنهج، ولكنا نقول لهم: إن هذا الباب قد اضطرب أمره في يد النحاة أنفسهم، وقرروا وهن القاعدة فيه، وقال قائلهم منذ بعيد: «إن حكم الإعراب لا يتخلف ... أما حكم الصرف فإنه يتخلف عن العلة. ومنع الصرف سبب ضعيف؛ إذ هو مشابهة غير ظاهرة بين الاسم والفعل».
31
ثم هم يجيزون صرف الممنوع في الاختيار، رعاية للتناسب واتساق اللفظ. وقد قرئ في القرآن الكريم:
وجئتك من سبإ بنبإ يقين ،
إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا ،
ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوثا ويعوقا ونسرا .
ثم ما لبثوا أن نقلوا أن العربية - في وجه - لا تعرف منعا من الصرف، وحكى الأخفش لغة لبعض العرب تصرف ما لا ينصرف مطلقا في الاختيار، وقال: وكأن هذه «لغة الشعراء»؛ لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر، فجرت ألسنتهم على ذلك في الكلام»
32 ... وأين أنتم يا قوم من لغة الشعراء، ترحمون بها صغاركم وكباركم أيضا؟! إن في هذا النص من تعليل الأخفش، ما كان خليقا بأن يهدي النحاة قديما وحديثا إلى المنهج اللغوي الصحيح، حين يقدرون تصرف الألسن في اللغات، وجريانها بها، على نحو ما وصفوا من عمل ألسنة الشعراء، لا على نحو ما يتكلفونه من قواعد نظرية! (و)
الاسم المنقوص: كالقاضي، واختلاف إعرابه بظهور النصب على يائه، وعدم ظهوره في الجر والرفع، فتحذف الياء في المصروف، والنحاة مع هذا يقولون: إن من العرب من يسكن ياء هذا المنقوص في النصب أيضا، وإن الأصح جواز هذا في السعة، بدليل قراءة جعفر الصادق: «من أوسط ما تطعمون أهاليكم»، بسكون
33
الياء. وقال السجستاني بعدما أجازه في الاختيار: «إنه لغة فصيحة.»
34
وعدوه في الشعر من أحسن الضرورات.
35
وإذا كانت لغة فصيحة وقراءة قرآنية، فقد صح أن نستعمل المنقوص دون «أل» بغير ياء في الأحوال كلها، ومع «أل» لا نظهر كذلك على يائه حركة في الأحوال كلها، فيكون اختزالا مريحا وإعرابا غير مضطرب، ويستريح المتعلم من المنقوص وتحريكه استراحته من المقصور.
هذا مما في الأسماء من اضطراب الإعراب.
وفي الأفعال من ذلك مثلا: (أ)
الأفعال الخمسة، أو الأمثلة الخمسة التي يجم الصغار أمام عدها، وتثبت فيها النون في الرفع، حين تحذف مع النصب والجزم، وقد ورد حذف هذه النون أيضا عند الرفع في النثر، وقرئ بها القرآن، فقرءوا: «قالوا ساحران يظاهرا» أي يتظاهرا بدون نون، وفي الصحيح: «والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.» والأصل: لا تدخلون، ولا تؤمنون.