تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

وتخريجاتهم لهذا النصب قد ضعفوها هم، كما في «المغني»،

39

فيكون الفعل بعد «لم» مجزوما أو مرفوعا أو منصوبا، ولم يبق إلا أن يخرج الفعل عن ميزته فيجر بعد «لم»!

وهذه الأحوال كلها تعلم في كتب النحو التي يربى عليها معلمو لغة الأمة، فلا أقل من أن تزعزع تلك الاضطرابات صورة القاعدة وثباتها في نفوس أولئك المعلمين! وقدروا أن الأمر لا يقف عند وجود مثل هذه الآراء في كتب النحو، فيكون نقلا تاريخيا فقط، بل نحن نجد هذا في الاستعمال نفسه إذ نقرأ للشافعي - رضي الله عنه - في «الرسالة» نحو سبعة عشر استعمالا لم يجزم فيها ب «لم»، منها بضعة عشر لم يحذف في آخرها حرف العلة من المضارع المعتل، فقال: «لم يرى»، ومنها بضعة مواضع لم يحذف حرف العلة من المضارع الأجوف، فقال: «لم يحيل» مثلا، (وقد تتبعها الناشر الفاضل وأوردها في فهرست الفوائد اللغوية، ص659)، ولو قد نقلت إلينا النصوص القديمة المتحراة بكتابة عصرها لرأينا من أمثال هذه الظاهرة شواهد قوية، على فرق ما بين اللغة المستعملة وبين هذه القواعد التي اشتهر تعلمها، ولاتضح تصورنا لواقع الحياة اللغوية تصورا يجنبنا غير قليل من الأخطاء في منهج درسها. •••

وما بنا أن نعلل هذا الاضطراب في القواعد، فتلك مسألة تبحث في غير هذا الموضع، وإنما نريد لهذا الاضطراب تدبيرا عمليا يهون المهمة التعليمية، ويعين على استجابة اللغة لحاجات الحياة؛ لأننا نجد آثار هذا الاضطراب للقواعد في كتب النحو المدرسية على أبسط صورة لها، وبعد التيسير والإحياء، وما إلى ذلك، وخذوا لذلك مثلا: باب الاستثناء الذي كان التيسير أن يعد في «الصيغ»، ولم تعرف كيف يكون الأمر في أحواله المختلفة وأبوابه الكثيرة المتبعة، فإذا كتاب النحو المدرسي الذي ألفه جماعة منهم صاحب الإحياء نفسه في الجزء الأول منه لتلامذة السنة الأولى الثانوية، يذكر بضعة قواعد لبعض أحكام الاستثناء وأحواله، يلقاها أولئك الصبية الذين تعرفون أنهم يبدءون مرحلة هذا التعليم الثانوي في العاشرة وما حولها، وليس الأمر واقفا عند كثرة القواعد بكثرة أدوات الاستثناء، وأنها تكون حينا أسماء وحينا أفعالا وحينا حروفا، بل هو كذلك تتبع للأحوال المختلفة في الأداة الواحدة أو الأدوات المتشابهة.

40

وأرجو أن نعالج مثل هذا الاضطراب الذي امتد إلى أبسط كتب النحو بعدما زلزل كيان اللغة، وفرق أمرها كله، أرجو أن نعالجه كما فعلنا في الصعوبة الأولى، فنلتزم أصول النحاة التي أصلوها هم أنفسهم ونقوم بأمرين:

الأول:

محاولة الاحتفاظ باطراد القواعد ما أمكن، فإذا ما أدى هذا الاطراد إلى التسوية بين وجه لغوي قوي ووجه لغوي أقوى، أو الجري على ما هو الأقل قوة، فقد سمعنا ما تجيزه أصولهم من عدم اللوم في ذلك بمحلل هو السجع، وراحتنا من هذه الآلام أمتع لنفوسنا آلاف المرات من سمج السجع.

الثاني:

اختيار ما هو أيسر إعرابا، أو أقرب فهما، أو أكثر رواجا في حياتنا اللغوية الحاضرة، حينما نريد طرد القاعدة وإقلال التفريع والأحوال والصور فيها.

وأسوق لهذا التدبير مثلا من علاج مسألة في الاستثناء الذي سبق ذكر صعوباته، فأقول: إن في هذا الكتاب المدرسي الصغير أنه يستثنى ب «خلا، وعدا، وحاشا»، فيجوز في المستثنى بها النصب، ويجوز فيه الجر، هذا إذا لم يسبق «خلا وعدا» كلمة «ما»، فيجب نصب ما بعدها، ومن ذلك نرى أن النصب مشترك في الأحوال كلها، مع «ما» وبدونها، فلو قلنا: إن الاستثناء «بخلا وعدا وحاشا» له حكم واحد دائما هو نصب المستثنى، وقد تدخل «ما» على «خلا وعدا»، فإنا بهذا الطرد للقاعدة نضبط الأمر ونيسره، ولا نرتكب أكثر من أننا جعلنا بعض الأحوال المختلف في قوتها أو المرجحة قوة الجر فيها أو النصب مثلا جعلناها مرجوحة، أو سوينا فيها بين الحالتين، وقد رأينا جواز هذا، وأنه عربي صحيح لا شيء فيه.

هذا النحو · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا النحوص ١٧