المثنى وما على صورته، يعرب بحرفيه الألف والياء، وقد برم به حتى المحدثون الذين حاولوا أن يصلوا في هذا الإعراب إلى أصول تطرد، فقالوا: «إن باب التثنية في العربية غريب»
23 ... وما بنا أن نصحح هذا القول هنا، أو نطلب في تصحيحه كلمة أصحاب مقارنة اللغات، وإنما أشرنا إليه لفتا للصعوبة النظرية، مع الاستثناء العملي في الإعراب بالحروف، ونحن نعرف - مع هذا - أنه قد قرئ في القرآن: «إن هذان لساحران» على أنه مثنى بصورة المقصور ذي الألف دائما، وتأويله على غير هذا ليس بقوي، وقد ضعفوه هم أنفسهم.
24
وهذا القصر للمثنى في الشعر، وفي عبارات الحديث أيضا، ثم هذه القراءة التي نقرأ بها، غير ما نعلمه لأبنائنا، وكلها غير ما نستعمله في الحياة من إلزامه الياء دائما، وأحسب أننا لو رجحنا القصر في الأسماء الخمسة، ثم رجحناه في هذا المثنى نريح ونستريح، وأصولهم وقواعدهم تعطي هذا، كما عرفنا في سهولة وقرب. (ج)
جمع المذكر السالم وما على صورته، وهو يعرب بحرفيه الواو والياء، لكنا مع هذا نقرأ في متون النحو المشهورة غير هذا من إعرابه، فابن مالك يقول:
وبابه، ومثل حين قد يرد
ذا الباب، وهو عند قوم يطرد
فيقول الأشموني في شرحه: «إن مجيء الجمع مثل «حين» عند قوم من النحاة - منهم الفراء - يطرد في جميع المذكر السالم، فيكون معربا بالحركات الظاهرة على النون، مع لزوم الياء ولزوم النون، فلا تسقط للإضافة.» ويبدو أن الزمخشري من قبل ذلك يقول بهذا الطرد؛ إذ أطلق العبارة في «المفصل»،
25
فقال: «وقد يجعل إعراب الجمع بالواو والنون في النون، وأكثر ما يجيء ذلك في الشعر، ويلزم الياء إذ ذاك.» فلعل هذه العبارة المطلقة تشير إلى ما عناه ابن مالك بقوله: «وهو عند قوم يطرد» وإن كان ابن يعيش يقيد هذا الإطلاق ويجعله فيما يجمع بالواو والنون عوضا عن نقص لحقه، وهو باب «سنين»، في قول ابن مالك، ويقول: «والشيخ قد أطلق ها هنا، والحق ما ذكرته.» ولكن عبارة ابن مالك وكثيرين من شراحه - وغير شراحه من النحويين
26 - واضحة في أن من العرب من يجعل الإعراب في جمع المذكر السالم، وفي كل ما حمل عليه، على النون، ويسوقون لذلك الشواهد، رغم تحكم ابن يعيش في إطلاق الزمخشري المؤذن بهذا الاطراد الذي ذكره ابن مالك. على أن هؤلاء الشراح ينقلون في إجمال أن الصحيح في إجراء الجمع مجرى حين، أن يقصر ذلك على السماع ولا يطرد، ونحن هنا ما يعنينا هذا التصحيح بعدما اصطحبنا أصل النحويين في استعمال الأقل والأبعد عن القياس، وتسويغهم ذلك في السجع، ولكنا نظن أن قول الشراح في القصر على السماع كقول ابن يعيش في تقييده إطلاق الزمخشري هذا الإعراب، كلاهما نوع من الإلف والميل إلى الشائع المستقر، لا يقوم على وجه ولا على حجة.
وبعد هذا الذي قدمناه، ننظر فإذا نحن في لغة الحياة، نلزم هذا الجمع الياء في أحواله كلها، ونستغني كدأب لغتنا كلها عن علامة الإعراب، فهل هذه لهجة عربية أصلها إجراء جمع المذكر السالم مجرى حين؟ ليس هذا عندي ببعيد أبدا، وإذا ذكرنا ما ورد في «التصريح» عند الحديث عن إعراب جمع الذكور وما حمل عليه إعراب «حين»، من قوله في تعليل ذلك وتوجيهه «لأن باب الياء أوسع من باب الواو.»
27
إذا ذكرنا هذا ونظرنا إليه، قدرنا أن هذه السعة في باب الياء قد تكون العامل الذي أغرانا في مصر بإلزام هذا الجمع الياء دائما. •••
وبعد، فإذا ما قدرتم يا سادة، أنهم جوزوا تركيب اللغات وتركيب المذاهب، كما أوضح ذلك ابن جني في «الخصائص»، حين عقد فصلا في الجزء الأول لتركيب اللغات، وعقد فصلا في الجزء الثاني المخطوط لتركيب المذاهب، وذكرتم مع هذا أن الأصوليين - وهم أئمة النحاة في أصولهم - قد جرى جمهورهم وجمهور الفقهاء على أخذ حكم المسألة الواحدة من أكثر من مذهب؛ إذا قدرتم ذلك كله، فهل تجيزون أن نجري جمع المذكر السالم في تعليمنا النحو على هذه الياء التي بابها أوسع من باب الواو، فنجعله بالياء في كل حين، ونلزمه مع ذلك فتح النون تركيبا للغات أو المذاهب؟ إن رأيتم ذلك فبها، وإلا فيكفي في اليسر أن يكون بالياء دائما، كما نعرفه، وأن يعرب بالحركات على النون. (د)