16 «فأما إن احتاج إلى ذلك «في شعر أو سجع، فإنه مقبول منه غير منعي عليه»، وكيف تصرفت الحال فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرا منه.» فهل ترون يا قوم، أن جدوى هذا السجع خير من تخفيف بلايا هذا الاضطراب عن الصغار، وخزايا الافتضاح عن الكبار، على ما صرخت به وزارة المعارف قائلة: «إن المعلمين والمتعلمين يبذلون جهدا كبيرا ووقتا طويلا في تعليمها وتعلمها، ولا يصلون بعد هذا كله إلى نتائج تتفق مع ما يصرف من زمن وجهد.» ومع ذلك إن قعد بنا الجمود إلى هذا الحد عمدنا إلى المحلل، فوعدناكم ووعدناهم أن نسجع عندما نستعمل مذهبا مخففا، ولغة ميسرة، ولله الأمر!
لكن اطمئنوا إلى أنا لن نلم بشيء يؤثر على الفصاحة، مما ارتفعت عنه لغة قريش، من عنعنة وكشكشة وكسكسة وتضجع وعجرفية وتلتلة ... إلخ.
هذه أصول النحاة أنفسهم ومآخذ قواعدهم المنصوصة، ننظر بها في تذليل ما بعد صعوبة الإعراب في الفصحى، بادئين بالنظر في: (12) اضطراب الإعراب
إذ كثرت - فيما نعلم - الاستثناءات في الأفعال والأسماء جميعا، فاتسعت بذلك الهوة بين لغة الحياة ولغة التعليم ووجدت الصعوبة.
وننظر في هذه الاضطرابات وأقوالهم فيها فنرى: (أ)
الأسماء البضعة - الخمسة أو الستة - والمشهور منها يعرب بالأحرف أو بالحركات الممطولة المشبعة ... إلخ، وهو في كل حال يختلف عن معتاد الإعراب بالحركات القصيرة، والنحاة يعربونها بالحركة القصيرة المعتادة، فيقولون: «أبك» ... كما أنهم قد يجعلونها من المقصور الملازم للألف في الأحوال كلها، ومن بني الحارث من ينطقها بالوجه الأول، وهم الذين يقصرونها كذلك.
17
وننظر بعد هذا في لغة الحياة اليومية، فنجد أنها في هذه الثلاثة المشهورة من تلك الأسماء «أب، أخ، حم» تنطق الأولين منهما بالواو دائما، وتجعل الحم مقصورا بالألف دائما، فلا نجد هذا الصنيع كله غريبا على العربية، إذ ينقل لنا من قراءات القرآن: «تبت يدا أبو لهب»،
18
ويقول الزمخشري : «كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع.» وكل قراءة حجة كما سمعنا. وابن قتيبة كما يلخص قوله ابن مطرف في كتابه «القرطين» (1: 185) يقول في هذه القراءة: «فكأنه حين كني به قيل: أبو طالب، ثم ترك كهيئته وجعل الاسمان واحدا.» والكنية كما نعرف قد تصدر بأخ كما تصدر بأب،
19
فللمسألة أصل ثابت يجعلني أجرؤ على فرض أن ما ننطقه اليوم في لغة الحياة له أصل عربي، وربما يرجح هذا أن الشافعي قد أعاد تصنيف «الرسالة» بمصر، وهذه النسخة هي التي بقيت بأيدي الناس،
20
أملاها بمصر على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي، الذي ترك نسخة بخطه كما أيقن ناشرها.
21
وفي هذه النسخة المصرية التأليف والإملاء يورد الشافعي «أبو» بالواو في موضع الجر، فيقول: «عن سالم أبو النضر» (ويشير الناشر الفاضل في الهامش إلى ما سبق من قراءة «تبت يدا أبو لهب»، ومن قول ابن قتيبة ... إلخ).
ومن هنا نستطيع أن نرجح أن إلزام أب وأخ الواو في عاميتنا له أصل عربي، وقد قرئ به في القرآن، وكتب به في مصر علم ... وأما الحم فقد قصرت بالألف دائما، وهي اللغة المعروفة في حياتنا، فهل تتوسعون فتجيزون في تلك الأسماء ما جاز في الكنية، فتبقونها بالواو دائما في أب وأخ؟! أو لا ترون هذا التيسير فترفضون هذا التوسع؟! لكم ما تشاءون حين يجد بكم الجد في هذا التيسير العملي، وهو غير بعيد؛ لأنه لون من القياس الذي أسس النحاة عليه نحوهم، وهم في هذا الباب نفسه مثلا قد جاءهم نقلا تثنية أب على أبان، فقاسوا على هذا المسموع تثنية أخ على أخان، وقالوا ينبغي أن يكون حمان كذلك.
22
أما أنا فحسبي هنا في هذه الأسماء أن تلزم الألف كالمثنى فتنقل الأقسام: (ب)