تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان الدرس للبيئة، فأصحابها هم أحق بها وأهلها، يمارسون من ذلك ما هو في أنفسهم، ومنهم، ولهم، وهم أهدى إليه سبيلا، وأقوم فيه قيلا.

ولو كانت الفطرة قد خالفت نواميسها في حياة هذه العروبة وحدها، وجعلت من منازلها الفسيحة، ومساكنها المتباعدة وطنا واحدا استوى فيه الشرقي والغربي، والسهلي والجبلي، والزراعي والصناعي، فقد كان من الصواب أن تقسم أجزاء هذا الوطن الموحد - رغم قوانين الكون وسنن الوجود - إلى قطع وأقسام، يقوم كل قبيل من الدارسين بفحص قسم منها، والتوافر المتخصص على درسه وتفهمه، ولكنك لن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. وما شذت العربية في حياتها عما خضعت لقهره وانقادت لفعله، لغى الدنيا، وشعوب العالم، فخصصتها المخصصات الإقليمية، واحتكمت فيها عوامل البيئة المادية، فميزت فيها أقساما تحتاج إلى الدراسة المفردة، وهي التي نريد ليقوم بها كل قوم في خاصتهم، حين ندعوهم «عليكم بيئتكم». •••

البيئة الطبيعية بحقيقتها، وكما سمعت من وصفها بأنها «بوتقة الدهر ومختبر الزمن»، تمزج العناصر التي تلقي بها الحياة فيها أوثق مزج، وتخرج منها ذلك الكائن الذي ألفت بين أجزائه قوى فوق كل قوة ومقدرة تحتكم في سائر القدر. وبهذه البيئة الطبيعية لها توجه البيئة المعنوية إلى جانب موجهاتها الأخرى. فليس يصح مع هذا كله أن يحاول دارس أدب أو غيره، أن يفصم عرى أحكمت وثاقتها يد القدر، فيبتر ماضيا عن حاضر، أو يصنع مستقبلا بارئا منهما! وهكذا ندرك في جلاء أن أمس واليوم قطعتان من الزمن، وأن هذا الغد بقيتهما وتمامهما، لو كان الزمن شيئا يقطع أو يتصور مجزأ، ولكنه منيع عن هذا، حتى في الذهن.

وليس لدارس أن يقطع يومه عن أمسه، ويبدأ درسه وفهمه من حيث يريد هو ويحتكم! بل عليه أن يقدر ما أسلفنا من أثر نواميس الحياة في الكائنات التي تنتظمها بيئة واحدة، وتربط بينها أواصر فطرية من صنع يد الله. وأصحاب الفنون والآداب - كما ذكرنا - أحوج الناس إلى تقدير هذا كله؛ لأن فنونهم وآدابهم أشد تأثرا بذلك، بل هي مظهره الجلي البين. وإذن تدرس البيئة منذ عرف لها تاريخ على نحو ما بينا من ذلك في بحث أثر الإقليمية في المنهج، وما يتبع في دراسة مصر بخاصة، وعلى مثل ذلك تدرس البيئات الأخرى كلها (انظر [الأدب المصري]).

فيدرس أصحاب الأدب في مصر بيئتهم، ويدرس أصحاب الأدب في الشام، وفي المغرب، وفي العراق تلك البيئات،

1

مقدرين الخصائص الفطرية التي حبتها الطبيعة إياها، ومازتها بها عن سواها؛ فتأثر بها قاطنوها، وتأثرت جوانب حياتهم المعنوية بتلك المزايا. ثم بغيرها من جوار، ونقلة، واتصال، وأخذ ووراثة ... إلى آخر تلك المؤثرات على نواحي النشاط المعنوية للجماعة الإنسانية. ويكون ما عرفه أصحاب أولئك البيئات سبيلا لمعرفتهم، ما نال حياة العربية في منزلها بينهم، حين طرأت على ذلك القديم المستقر والميراث المتلقى.

وسيدرك هؤلاء الأدباء بهذا الدرس أن اللغة من حيث هي مادة القول، قد أخذت من لغات الحديث ولهجاته التي خالطتها، وكان لها معها صراع يختلف في كل موطن ومنزل عنه في غيره من المواطن والمنازل، باختلاف القوى الحيوية التي تسير حياة هذه الجماعة، إذ كانت معنوية البيئة المغربية غير معنوية البيئة العراقية والمصرية ... إلخ.

وسيرون أن العربية بذلك قد ماتت فيها كلمات وأهملت فيها كلمات أخرى، وحببت إلى المتكلمين كلمات غير أولئك. وأن العربية في مصر قد تخلفت عنها بفعل الزمن ونواميس الحياة اللغوية لغة عامية خاصة. وسيدرك هؤلاء الأدباء أن أصحاب العربية أنفسهم قد اختلفت قبائلهم وأنسابهم، فيما نزلوه من تلك المنازل؛ فكانت في مصر قبائل، وفي الشام قبائل، وفي المغرب قبائل؛ فغلبت بهذه الكثرة والقلة لهجات من العربية دون لهجات، وكلمات دون كلمات، إذ تبعت أهلها وناطقيها طبعا.

في الأدب المصري · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٣٧